محمد الشبريكل أجزاء القصة
المزرعة المهجورة التي تبدأ عندها حكاية الشريط الثامن

الشريط الثامن: ثلاث طرقات

الجزء السابع

لا تصدّق صوتي

قراءة نحو 8 دقائق
الجزء السابع

مدت اليد الخاتم نحوي.

قال سعد من داخل الحفرة:

— خذيه قبل يرجع.

اقتربت خطوة.

حذرني الشيخ عبدالوهاب.

— لا تقربين.

جاء صوت سعد غاضبًا:

— بتخليني أموت عشانك خايف من يد؟

قال الشيخ:

— اقرأ آية الكرسي يا سعد.

سكت الصوت.

تحركت الأصابع فوق الرمل، ثم غرست أظافرها في حافة الحفرة وبدأت تسحب بقية الجسد إلى الخارج.

ظهر المعصم.

ثم الساعد.

لم يكن ذراع إنسان. كان أطول من الطبيعي، أسود ومغطى بطبقة رطبة من الطين، رغم أن أرض المزرعة جافة.

رفع الشيخ صوته بالقراءة.

توقفت اليد.

انفتح وسط كفها فم صغير، وقال بصوت سعد:

— دانة، لا تخلينه يدفن أبوك مرة ثانية.

أكمل الشيخ القراءة.

صرخ الفم، وانسحبت الذراع إلى الحفرة بسرعة. سقط الخاتم فوق الرمل، وتحول أمامنا إلى قطعة حديد سوداء لا تشبه شيئًا.

قالت أمي:

— هذا مب خاتمي.

سمعنا أنينًا من خلف الحظيرة المهدمة.

ركض سعد الحقيقي نحونا مترنحًا، وملابسه مغطاة بالغبار. كان ينزف من جبينه.

قال:

— أحد ناداني بصوت الشيخ. تبعته لين الحظيرة، وبعدها انقفل الباب علي.

أجلسناه قرب السيارة.

قال إنه لم يقترب من الحفرة، ولم يرَ خاتمًا أو رجلًا تحت الأرض.

وصلت سيارة أم فهد إلى البوابة.

نزلت حصة أولًا وركضت نحونا. احتضنتها أمي، بينما بقيت فوزية داخل السيارة لحظات، كأنها تعرف أن خروجها سيجعل السنوات كلها تقف أمامها.

نزلت أخيرًا.

كان حول عنقها خيط أسود تتدلى منه حلقة ذهبية.

خاتم أمي.

أشارت إليه نوال.

— من وين جبتيه؟

نزعت فوزية الخيط.

— من القدر اللي دفنه سليمان.

قالت أمي:

— كذبتي علي ثمانطعش سنة.

— لو قلت لك، كان رجعتي للمزرعة من أول يوم.

— سكنتي قدام بيتي وتراقبيني.

— طلبت مني أمك.

— قبل أو بعد ما وديتي ريم للساحرة؟

خفضت فوزية رأسها.

— بعد ما عرفنا وش سوينا.

سألتها:

— انتي من أهلنا كيف؟

قالت:

— ريم أختي.

فهمت عبارة جدتي أخيرًا.

المرأة التي بدأت كل شيء كانت من العائلة فعلًا؛ خالة أبناء سليمان من زوجته الأولى، والمرأة التي عاشت أمام بيتنا حتى أصبحت جزءًا من حياتنا.

قالت فوزية:

— ريم كانت تنهار بعد زواجه من نوال. أخذتها لامرأة قالت إنها تصلح بين الزوجين بالقرآن. ما شفت منها وقتها إلا كلامًا عاديًا، لين طلبت شعرًا وصورة وثوبًا لسليمان. خفت وقلت لريم نوقف، لكنها رجعت لها من وراي.

قال الشيخ:

— وليه ما بلغتوا؟

— استحينا وخفنا من الفضيحة. وهذا أكبر ذنب سويناه بعد الذهاب لها.

بكت.

— يوم اختفى سليمان، عرفت إن الموضوع ما عاد تفريقًا. جيت لمنيرة واعترفت. كانت تكرهني، ومن حقها، لكنها قالت لي: إذا تبين تتوبين، احفظي بناته ولا تتركينهم.

قالت حصة:

— عشان كذا سكنتي عندنا؟

— إي.

قلت:

— وليه قلتي لأمي إن دانة عندك؟

نظرت إليّ.

— لأني شفت وحدة بوجهك جالسة عند حصة.

قالت حصة بسرعة:

— ما كان معي أحد.

— كانت جنبك بالصالة.

— كنت لحالي بالغرفة.

ارتعش صوت فوزية:

— أجل أنا اللي كان يشوفني.

قال الشيخ:

— يفرق بينكم بأن يجعل كل شخص يشك في عينه وذاكرته. لا نكمل له اللي يبيه.

ناولَت فوزية الخاتم لأمي.

— أخذته من القدر قبل ما يرجعه سليمان للتراب. احتفظت فيه لأن منيرة قالت إن وجود شيء حقيقي من نوال يساعدها تتذكر زوجها.

وضعت أمي الخاتم في إصبعها.

أغلقت عينيها.

قالت:

— تذكرت عرسنا.

ثم بدأت تبكي.

— وتذكرت وجهه.

سألتها:

— كيف شكله؟

فتحت عينيها.

حاولت الإجابة.

لكن الذكرى اختفت قبل أن تصفها.

أخبرتنا فوزية أن القدر لم يُدفن تحت السدرة نفسها، بل داخل تجويف حجري قرب البئر. سليمان نقله بعدما فتحه، ثم أغلق المكان على نفسه حتى لا يصل الأذى إلينا.

قالت:

— الشريط السابع سجله بعد ما قفل الباب. ما أدري كيف طلعه، بس لقيته بعد أسبوع عند بوابة بيتي.

سألتها:

— وش فيه؟

— تحذير.

أخرجت الشريط من الصندوق.

قال الشيخ:

— أبوها قال لا نشغله داخل المزرعة.

قالت فوزية:

— لأن صوته يقدر يستخدمه هنا.

— إذن ما نشغله.

قالت أمي:

— كيف نعرف وش نسوي بالمدفون؟

أجاب الشيخ:

— نبحث عنه، وإذا وجدناه أتعامل معه بالقراءة وإبطال العقد بإذن الله. ما نحتاج تعليمات صوت مجهول.

اقتربنا من البئر.

كان مطويًا بالحجارة، وفوهته مغطاة بغطاء حديدي ثقيل. قربه ظهرت ثلاث بلاطات مختلفة عن بقية الأرض.

أشارت فوزية إلى الوسطى.

— تحتها.

قرأ الشيخ، ثم ساعده سعد على رفع البلاطة. ظهر تجويف صغير يحتوي على وعاء معدني صدئ ملفوف بقماش.

تراجعنا.

تولى الشيخ الأمر وحده. ظل يقرأ، وطلب منا ألا نقترب أو ننظر داخل الوعاء. كلما تقدم في إبطال ما فيه، خرجت من البئر أصوات مختلفة.

صوت جدتي.

صوت أبي.

صوت طفلة لا نعرفها.

ثم صوتي أنا.

كان يقول لأمي:

— وقفيه، بيموت أبوي.

أمسكت أمي بيدي الحقيقية، ولم ترد.

جاء صوتي من البئر مرة أخرى:

— يمّه، هو حي تحت. إذا فك الربط يموت.

قال الشيخ:

— هذا تخويف. الحياة والموت بيد الله، ولا نترك السحر قائمًا خوفًا من كذب الشيطان.

واصل القراءة.

اهتزت شجرة السدر.

تساقطت أوراقها كلها دفعة واحدة، وبقيت أغصانها عارية.

انطفأ جهاز التسجيل داخل الغرفة المقفلة، ثم اشتغل الشريط السابع داخل الصندوق وحده.

خرج صوت سليمان:

— كلام الشيخ صحيح. لا توقفونه.

التفت الشيخ إلى الصندوق.

قال أبي:

— يا دانة، إذا وصلتي لهنا، لا تصدقين أي صوت يطلب إبقاء العمل. حتى لو كان صوتي.

ثم سكت لحظة.

— ولا تصدقين أي صوت يطلب فكه كاملًا.

توقف الشيخ.

قالت فوزية:

— كمل.

رفع يده يمنعها.

واصل الشريط:

— السحر له عقد، لكن فيه عقدة أخيرة ربطتها المرأة باسمي. إذا انفتحت وأنا ما زلت داخل الباب، يطلع الشي بصورتي. لازم تسمعون الشريط الثامن قبل العقدة الأخيرة.

نظرنا إلى الوعاء.

بقيت فيه عقدة واحدة.

قال الشيخ:

— لا ألمسها حتى نتحقق.

قال صوت أبي:

— أحسنتم.

ثم تغيرت نبرته.

— الآن اقتربوا من البئر.

قال الشيخ:

— محد يتحرك.

لكن الشريط تابع:

— دانة وحدها. عندي شيء تحتاجه عشان الحساب.

قلت:

— ما أبي الحساب.

— كاذبة.

كان الصوت يعرف النقطة التي بدأت منها رحلتي كلها.

— باقي على رسومك تسعة أيام. إذا ما أخذتي توقيعي، يروح مستقبلك.

قالت أمي:

— مستقبلها ما يوقف عليك.

ضحك الصوت.

لم يعد يشبه أبي تمامًا.

قال:

— مثل ما حياتك ما وقفت عليه؟

بدأت أمي تقرأ، فانخفض الصوت.

ثم جاء صوت أبي الحقيقي، بعيدًا خلف التشويش:

— دانة... لا تسمعينه.

ارتفع صوت آخر فوقه:

— أنا الحقيقي.

ثم ثالث:

— لا، أنا.

امتلأ الشريط بأصوات كثيرة، كلها صوت سليمان.

كل واحد منها يقول:

— لا تصدّق صوتي.

أوقف الشيخ الجهاز.

قال:

— انتهينا من الاعتماد على الأشرطة. نرجع للرياض، ونكمل بحضور أهل علم وجهات مختصة. ما نخاطر بأرواحكم.

كانت الشمس تقترب من الغروب.

أخذت حصة الصندوق. أما فوزية، فبقيت تنظر إلى البئر.

قالت:

— فيه شيء غلط.

— وش؟ سألتها.

— الشريط السابع اللي لقيته قبل سنوات ما كان فيه كل هذا الكلام.

قال الشيخ:

— وش كان فيه؟

— جملة واحدة بس.

— وش هي؟

نظرت إليّ.

— «إذا وصلت دانة، لا تخلونها تسمع صوتها.»

فتحنا الصندوق.

وجدنا الشريط الثامن.

لم يعد صامتًا داخل علبته.

كان يهتز بعنف.

ومن داخله خرج صوتي:

— لا تطلعون من المزرعة!

تراجعنا.

قالت نسختي المسجلة:

— إذا طلعتوا قبل تقفلون الباب، بيلحقكم للرياض.

قال الشيخ:

— لا أحد يرد.

جاء صوتي باكيًا:

— يمّه، أنا دانة. اللي واقفة معكم مب أنا.

نظرت أمي إليّ.

قلت:

— يمّه، لا تعيدينها.

رفعت كفها وقرأت ما كتبت:

دانة — حصة — بناتي.

قالت:

— انتي بنتي.

صرخ الصوت من الشريط:

— أجل اسأليها وش صار يوم كان عمرها ست سنوات وفتحت الباب لأبوها!

تجمدت.

لم أتذكر الحادثة إلا من كلام أمي.

قال الصوت:

— أنا أتذكر.

ثم بدأ يروي تفاصيل لم تخبرني بها أمي:

لون ثوبي.

اللعبة التي كنت أحملها.

والكلمة التي قلتها عندما وجدت الباب فارغًا.

بكت أمي.

— هذي دانة.

قلت:

— هو أخذ الذكرى مني.

قال الصوت:

— أو يمكن انتي اللي أخذتي شكلها.

بدأت حصة تتراجع عني.

صرخت:

— لا تسمعون له!

خرجت الطرقة الأولى من البئر.

طق.

انشقت الأرض تحت قدمي.

أمسكت أمي بذراعي.

جاءت الطرقة الثانية من داخل الوعاء.

طق.

اتسع الشق.

أمسكت حصة بيدي الأخرى، بينما حاول الشيخ الوصول إلينا.

جاءت الطرقة الثالثة من داخل صدري.

لم أسمعها بأذني.

شعرت بها تضرب أضلعي من الداخل.

طق.

انزلقت يدا أمي وحصة.

وسقطت.

لم أسقط داخل بئر.

سقطت في غرفة جدتي.

لكنها لم تكن غرفتها كما أعرفها. كانت نظيفة، مضاءة بمصباح أصفر، وجدتي جالسة على سريرها كأنها لم تمت.

أمامها جهاز التسجيل.

وضعت الشريط الثامن داخله.

نظرت إليّ وقالت:

— تأخرتي يا دانة.

قلت:

— انتي ميتة.

ابتسمت.

— عشان كذا لا تصدقين صوتي.

ضغطت زر التشغيل.

خرج من الجهاز صوتي أنا:

— اسمي دانة بنت سليمان، وهذا آخر تسجيل لي قبل ما ينسوني.

لم تنتهِ الحكاية بعد…تابع الآن

صوت دانة

انتقل إلى الجزء التالي

وصلت إلى نهاية الجزء…

إذا عشت التجربة، شاركها مع شخص يجرؤ على سماع الشريط.