فتحت الصندوق.
وجدت الشريط السادس في مكانه.
رفعت عيني إلى الباب الحديدي. في الجهة الأخرى، كان جهاز التسجيل لا يزال يدور، وصوت أمي يضرب الباب وتطلب منا فتحه.
قلت:
— كيف فيه شريط سادس داخل وشريط سادس معي؟
قال الشيخ عبدالوهاب:
— واحد منهما مب اللي تركته جدتك.
خرج صوت أبي من خلف الباب:
— اللي معك مزيف. حطيه تحت السدرة وافتحي لأمك.
حذرني الشيخ قبل أن أتحرك.
— لا تسمعين له.
صرخت أمي من الداخل:
— عبدالوهاب، افتح! أنا نوال!
قال:
— قولي الجملة اللي بينك وبين بناتك.
سكتت.
ثم قالت:
— البيت يعرف أهله ولو غابت الذاكرة.
اقتربت من الباب.
قال الشيخ:
— سؤال ثاني. وش مكتوب في يدك؟
جاء صوتها مرتبكًا:
— أسماء بناتي.
— قوليها.
— دانة... وحصة.
قال سعد:
— شكلها هي.
لكن الشيخ لم يفتح.
قال لأمي:
— اقري آية الكرسي.
بدأت تقرأ. أخطأت في كلمة، ثم صححتها وأكملت.
أما صوت أبي، فاختفى.
حاول سعد إدارة المفتاح، لكنه بقي عالقًا. أحضر قضيبًا من السيارة وبدأ يضغط على طرف الباب حتى انثنى الحديد قليلًا.
اتسعت الفتحة.
أدخلت يدي، وتحسست المزلاج من الداخل. كان باردًا كأنه محفوظ في ثلاجة.
ما إن لمسته حتى رأيت صورة خاطفة:
أبي واقف تحت السدرة.
امرأة خلفه تمسك شيئًا ملفوفًا بقماش أسود.
ثم ثلاث طرقات تصدر من تحت التراب.
سحبت يدي.
قال الشيخ:
— وش شفتي؟
— ما أدري إذا كانت ذكرى أو تخويفًا.
— زين. لا تحكمين عليها الآن.
كسر سعد المزلاج.
فتحنا الباب.
كانت أمي وحدها.
جلست على الأرض بجوار الكرسي، ووجهها شاحب. لم يكن معها رجل، ولم تجد داخل الغرفة منفذًا يمكن لأحد أن يخرج منه.
أما جهاز التسجيل، فكان فارغًا.
لا شريط فيه.
قلت:
— كنا نسمعه يدور.
قالت أمي:
— وأنا كنت أسمع صوت سليمان يطلع منه.
أخرجت الشريط السادس من الصندوق.
ظهر شريط آخر أسفل الكرسي.
حمل الرقم نفسه.
أصبح لدينا نسختان.
أخرجنا أمي إلى فناء المزرعة.
جلست في ظل السيارة وشربت الماء، بينما وضع الشيخ الشريطين متباعدين فوق قطعة قماش. كانا متطابقين تقريبًا، لكن أحدهما يحمل خدشًا صغيرًا يشبه حرف الدال.
قالت أمي:
— منيرة كانت تخدش أشرطتها بالحرف الأول من اسم اللي سجلته له.
أشارت إلى المخدوش.
— هذا لدانة.
قال الشيخ:
— نسمع هذا فقط.
وضعناه في جهاز يعمل بالبطاريات أحضره سعد.
وقبل تشغيله، اتصلت بحصة.
ردت بعد الرنة الأولى.
— دانة؟
ارتحت لسماع صوتها.
— انتي بخير؟
— إي، بس أم فهد تتصرف بغرابة. من يوم كلمتكم وهي مقفلة الباب وتقول ما أحد يطلع.
قلت:
— لا تعلمينها إننا عرفنا شيء عنها.
— عرفتوا وش؟
نظرت إلى الشيخ.
قال:
— خليها تقفل على نفسها في غرفة، وتكلمنا باستمرار.
قلت لحصة:
— خذي أغراضك وادخلي غرفة بنت أم فهد وقفلي الباب.
— ليه؟
— بعدين أشرح لك. ولا تشربين أو تاكلين شيء جديد.
قالت:
— دانة، هي واقفة عند الباب وتسمعك.
جاء صوت أم فهد قريبًا:
— عطيني الجوال يا حصة.
انقطع الاتصال.
حاولت معاودة الاتصال، لكن الهاتف أُغلق.
قلت:
— لازم نرجع لها.
قال الشيخ:
— نسمع الجزء اللي يبين دور فوزية، وبعدها نطلع فورًا.
ضغط التشغيل.
خرج صوت أبي.
— التسجيل السادس. الليلة اللي بدأت فيها الطرقات.
كان يتكلم بسرعة، وأنفاسه متلاحقة.
— ريم اعترفت إنها راحت مع فوزية لوحدة تدعي العلاج. عطتهم خصل شعر وصورة زواجي من نوال. لما بدأ الحال يتغير، خافت ريم وقالت لي عن المزرعة.
جاء صوت سيارة قديمة في الخلفية، ثم صوت باب يُغلق.
قال أبي:
— جيت مع فوزية عشان تدلني على مكان الشي المدفون. قالت إنها تابت وإنها ما كانت تعرف إن المرأة ساحرة.
ظهر صوت أم فهد شابة:
— تحت السدرة. بس لا تحفر لين يجي الشيخ.
قال أبي:
— اتصلت عليه، وما رد. ما راح أخلي الشي ليلة زيادة.
قالت:
— سليمان، لا تلمسه!
سمعنا صوت حفر.
ثم قال أبي:
— لقيت قدرًا صغيرًا، داخله قماش معقود وورقة فيها اسمي واسم نوال.
قال الشيخ عبدالوهاب:
— الله يهديه، استعجل.
في التسجيل، قرأ أبي المعوذات، ثم حاول فتح العقد. جاء صوت فوزية تصرخ:
— لا تفكها بيدك!
رد:
— أبي أشوف وش كاتبين.
انقطع صوته لحظة.
ثم قال:
— فيه اسم دانة بعد.
نظرت أمي إليّ.
واصل أبي:
— ليه حاطين اسم بنتي؟
قالت فوزية:
— أنا ما كنت أدري.
— انتي عطيتهم اسمها؟
— ريم كانت معها صورة العيد.
ضرب أبي القدر بالأرض.
في اللحظة نفسها جاءت الطرقة الأولى.
لم تأتِ من باب.
خرجت من داخل البئر القديم خلف البيت.
طق.
قال أبي:
— وش هذا؟
صرخت فوزية:
— لا ترد!
جاءت الطرقة الثانية من باب المنزل.
طق.
عاد أبي إلى البيت، وسمعنا خطواته في التسجيل.
قالت فوزية:
— لا تدخل!
لكنه دخل.
جاء صوت امرأة من الغرفة المقفلة:
— سليمان؟
قال أبي:
— نوال؟
همست أمي بجانبي:
— ما كنت معه.
في الشريط، قال صوت نوال:
— افتح لي.
سأل أبي:
— كيف جيتي؟
قال الصوت:
— فوزية جابتني.
التفت أبي إلى فوزية.
قالت:
— كذاب. نوال بالرياض.
ضرب صوت نوال الباب من الداخل.
طق.
كانت الطرقة الثالثة.
سكت الجميع في التسجيل.
ثم انفتح الباب وحده.
قال أبي:
— الغرفة فاضية.
بدأ صوت آخر يتنفس قرب جهاز التسجيل.
سأل أبي:
— مين معنا؟
صرخت فوزية:
— لا تسأله!
لكن السؤال خرج.
ضحك الصوت.
قال:
— أنت عطيتني اسمك.
رد أبي:
— أنا ما عطيتك شيء.
— سألت مين، وأنا أجاوبك.
قال أبي:
— أعوذ بالله منك.
بدأ يقرأ، فتحول الضحك إلى صراخ بعيد.
ثم قالت فوزية:
— سليمان، وش اسم أمك؟
تردد.
— أعرفه... بس ما أقدر أقوله.
سألته:
— اسم بنتك؟
— دانة.
— وزوجتك؟
سكت.
قالت:
— نوال! اسمها نوال!
ردد:
— نوال.
قال أبي في التسجيل:
— كل ما أسكت، أحس الاسم يبعد. لازم أتكلم. لازم أسجلهم.
بدأ يكرر أسماءنا.
— نوال. دانة. سليمان.
ثم توقف.
قال:
— فوزية، لا تخلينهم ينسوني.
قالت:
— نطلع الحين.
ركضا نحو السيارة.
لكن صوت المحرك لم يعمل.
جاءت الطرقات الثلاث مرة أخرى، هذه المرة من داخل السيارة.
وبعد الثالثة انقطع التسجيل.
بقيت دقيقة كاملة من الصمت.
ثم عاد صوت أبي، أهدأ.
— إذا تسمعين هذا يا دانة، فمعناه إني ما قدرت أطلع مثل ما دخلت.
— الشي ما يسرق الذاكرة بنفسه. هو يوسوس ويخدع، والسحر هو اللي ربط اسمي بالنسيان. كل مرة تسمعون صوته وتصدقونه، يقوى أثر الربط.
نظر الشيخ إلينا وقال:
— هذا وصفه لما فهمه، مب حكم شرعي. لكن كلامه يفسر اللي صار.
واصل أبي:
— فوزية طلعت من المزرعة. أنا بقيت؛ لأني لو خرجت والقدر مفتوح، كان الأذى وصل لدانة وهي طفلة. سكرت الغرفة عليّ، ورجعت الشي المدفون مكانه.
شهقت أمي.
قال:
— لا أعرف إذا أنا حي يوم تسمعين هذا. إذا جيتي للمزرعة، لا تفتحين لي لمجرد إنك تسمعين صوتي. اسأليني عن شيء ما يعرفه التسجيل.
ثم قال:
— والأهم: لا تشغلين الشريط السابع داخل المزرعة.
انتهى التسجيل.
أخرج الشيخ الشريط، ثم التقط النسخة الثانية من الأرض.
قال:
— هذا اللي كان داخل الغرفة، نخليه ولا نسمعه.
ما إن وضعه في الكيس حتى اشتغل بصوت أبي:
— عبدالوهاب، الشريط اللي سمعتوه مزيف.
توقفنا.
قال الصوت:
— فوزية ما طلعت من المزرعة. هي اللي حبستني، وهي اللي سجلت كل الأشرطة بصوت منيرة.
رفع الشيخ الكيس.
— كذاب.
رد أبي:
— اسأل نوال عن خاتمها.
نظرت أمي إلى يدها.
اختفى خاتم زواجها القديم.
قال الصوت:
— فوزية أخذته يوم اختفيت. إذا لقيتوه معها، تعرفون الحقيقة.
ثم سكت.
رن هاتفي.
حصة.
رددت فورًا.
لم تتكلم.
سمعت صوت سيارة وطريق.
قلت:
— حصة، وينك؟
جاء صوت أم فهد:
— في طريقنا لكم.
صرخت أمي:
— رجعي حصة!
قالت فوزية:
— لو خليتها بالرياض، بياخذها بصوت دانة. أنا أعرفه أكثر منكم.
قلت:
— انتي اللي وديتي ريم للساحرة؟
سكتت.
— جاوبي.
قالت:
— إي.
— ليه؟
— كنت أحسبها امرأة تصلح بين الزوجين. يوم عرفت الحقيقة كان الوقت متأخرًا.
قالت أمي:
— وسكنتي مقابلنا صدفة؟
— لا. منيرة طلبت مني أراقبكم وأحفظ أسماءكم إذا بدأتم تنسون.
— ليه ما قلتي لنا؟
— لأن كل مرة قلت الحقيقة لأحد، سمع الطرق بعدها.
ثم قالت:
— لا تشغلون السابع. أنا قريبة.
انقطع الاتصال.
فتحنا الصندوق.
كان الشريط السابع يدور داخل علبته المغلقة.
قال الشيخ:
— اتركيه.
لكن صوت أبي خرج منه رغم أنه لم يكن داخل جهاز:
— دانة، فوزية معها حصة عشان تستبدل اسمها باسمي.
نظرت إلى أمي.
قال أبي:
— إذا وصلت للمزرعة، لا تدخلينها. اقفلي البوابة قبل تنزل من السيارة.
ظهر غبار في نهاية الطريق.
سيارة أم فهد تقترب.
جلست حصة في المقعد المجاور لها.
قال أبي من داخل العلبة:
— إذا دخلت فوزية، ما راح يطلع منكم إلا أربعة.
كنا خمسة:
أنا.
أمي.
حصة.
فوزية.
والشيخ عبدالوهاب.
سعد لم يذكره الصوت.
التفتنا إليه.
لم يكن بجوارنا.
كانت سيارته مفتوحة، وهاتفه فوق المقعد.
ظهرت آثار خطواته في الرمل، تتجه إلى شجرة السدر.
وتنتهي عند حفرة لم تكن موجودة قبل دقائق.
اقتربنا بحذر.
من داخلها جاء صوت سعد:
— لا تقربون... لقيت سليمان.
ثم ظهرت يده من التراب.
كانت تمسك خاتم أمي المفقود.
