وطلعت الأصابع من المرآة حتى المعصم.
كانت تشبه يدي، لكن أظافرها أطول، والجلد حول مفاصلها متشقق كأنه ظل سنوات تحت الشمس.
أمسكت بكتف أمي.
صرخت:
— ابتعدي عنها!
التفتت أمي إلى اليد، ثم إليّ. لم تعرف أي واحدة منا.
قالت النسخة داخل المرآة بصوتي:
— يمّه، هذي اللي كانت بالبيت يوم اختفت دانة.
قلت:
— أنا دانة!
— اسأليها عن أبوها.
نظرت أمي إليّ.
— أبوك مين؟
أجبت:
— سليمان عبدالرحمن ال......
ابتسمت النسخة.
— حفظت الاسم من الأشرطة.
وصلت حصة إلى الباب. رأت اليد الخارجة من الزجاج فتوقفت، ثم رفعت صوتها بآية الكرسي.
تشنجت الأصابع فوق كتف أمي.
تحولت ابتسامة النسخة إلى تكشيره.
واصلت حصة القراءة، فشاركتها.
بدأت اليد تتراجع، لكن النسخة أمسكت بإطار المرآة من الداخل وقاومت. انشق الزجاج من المنتصف، وخرج منه صرير حاد.
انكمشت اليد وعادت إلى داخل المرآة. وقبل أن تختفي، غرست أظافرها في كتف أمي وتركت أربعة خطوط حمراء.
صرخت أمي وسقطت.
اندفعت النسخة نحو سطح الزجاج وضربته بوجهها. انتشرت الشقوق فوق ملامحها، ثم قالت:
— إذا رحتي للمزرعة، لا تجيبين أمك.
رفعت حصة المصحف، فضربت النسخة المرآة من الداخل مرة أخيرة.
انفجر الزجاج.
غطينا أمي بأجسادنا، وتناثرت القطع في الغرفة.
عندما رفعت رأسي، لم أجد خلف الإطار سوى الجدار.
ابلغنا الشيخ عبدالوهاب بما حدث.
بعد ان جاء على موعدنا.
قال:
— ما عاد عندنا وقت ننتظر.
لم يسمح لنا بالذهاب فورًا.
قرأ على أمي، واعطانا ماء نغسل خدوش كتفها، ثم اتصل برجل يثق به ليأتي معنا. كان اسمه سعد، قريبًا له ويعرف طرق ضرما والمزارع القديمة.
قال الشيخ:
— بنروح قبل العصر ونطلع قبل المغرب. ما أحد ينفرد، وما أحد يدخل مكانًا مقفلًا لحاله. وإذا وجدنا شيئًا مدفونًا، ما تلمسونه ولا تعبثون فيه.
قالت حصة:
— أنا بجي.
رفضت أمي فورًا:
— لا. انتي تقعدين عند أم فهد.
— الشي كان يلاحقني أنا.
— عشان كذا ما تجين.
قال الشيخ:
— الأفضل تبقى. إحنا رايحين نتحقق من المكان، مب داخلين مواجهة.
لم يعجبني قوله.
كل شيء حدث منذ فتح الصندوق كان يؤكد أننا في مواجهة، سواء اعترفنا بذلك أم لا.
تركت حصة عند أم فهد بعد أن عانقتها طويلًا. قبل أن أخرج، همست لي:
— إذا أمي نستك هناك، أنا ما أنساك.
قلت:
— البيت يعرف أهله ولو غابت الذاكرة.
ابتسمت وأكملت:
— وأنا أعرفك حتى لو ما رجعتي البيت.
لم أعرف لماذا أخافتني الجملة.
خرجنا من الرياض بعد الظهر.
كان سعد يقود سيارته أمامنا، بينما جلست مع أمي والشيخ في السيارة الثانية. وضعت الصندوق في الخلف، وأخذت معي الأشرطة المتبقية والمفتاح وصك المزرعة.
كلما ابتعدنا عن المدينة، قلت المباني واتسعت الأرض. امتدت الصخور والرمال على جانبي الطريق، وظهرت مزارع متباعدة خلف أسوار إسمنتية عالية.
ظلت أمي تكرر اسمي كل عدة دقائق.
— دانة.
وأجيبها:
— هلا يمّه.
ثم تقول:
— حصة.
فأقول:
— عند أم فهد.
قال الشيخ:
— اكتبي الاسماء على يدك.
أخرجت أمي قلمًا وكتبت على كفها:
دانة — حصة.
وتحتهما:
بناتي.
بعد نصف ساعة، نظرت إلى يدها وسألت:
— أنا اللي كتبت هذا؟
قلت:
— إي.
رفعت عينيها إليّ. رأيت لحظة قصيرة لم تعرفني فيها.
ثم قالت:
— البيت يعرف أهله ولو غابت الذاكرة.
عادت نظرتها.
أمسكت بيدها.
— إذا وصلنا وصرتِ ما تعرفيني، خليك مع الشيخ ولا تسمعين لأي صوت يقول لك تعالي.
قالت:
— وإذا انتي نسيتي نفسك؟
لم أفكر في ذلك من قبل.
أجاب الشيخ:
— قد ينسى الإنسان تفاصيل، لكن لا تخلون الخوف يقنعكم أنكم بلا إرادة. اذكروا الله وتمسكوا بالواقع اللي تعرفونه.
نظر إلى الصندوق.
— والأشرطة أدلة، مب أقدار مكتوبة عليكم.
وصلنا إلى طريق ترابي ضيق بعد ضرما.
تقدم سعد ببطء حتى انتهى الطريق عند بوابة حديدية صدئة، نصفها مدفون في الرمل. قارنتها بالصورة التي تركتها جدتي.
كانت هي.
نزلنا.
أدخلت المفتاح في القفل، لكنه لم يتحرك.
قال سعد:
— شكله ما انفتح من سنين.
رش عليه قليلًا من الزيت، ثم حاول مرة أخرى. صدر من القفل صوت طقطقة وانفتح.
دفعنا البوابة.
امتد خلفها ممر ترابي تحيط به أشجار يابسة. في نهايته ظهر بيت شعبي قديم، وبجانبه خزان ماء مرتفع وحظيرة مهدمة.
وفي الوسط وقفت شجرة سدر ضخمة.
كانت الشيء الوحيد الأخضر في المزرعة.
قالت أمي:
— أعرف المكان.
سألتها:
— جيتيه قبل؟
— ما أدري.
مشت خطوات، ثم توقفت.
— كنت أركض من هناك.
أشارت إلى البيت.
— وسليمان كان يناديني.
قال الشيخ:
— ذكرى؟
— يمكن... أو حلم.
اقتربنا من المنزل.
كان بابه الخشبي مفتوحًا، وقد تراكم الرمل في المدخل. دخل سعد أولًا وتبعه الشيخ، ثم دخلنا.
ضمت الغرفة الرئيسية كنبات قديمة مغطاة بالغبار، وموقدًا صغيرًا، وخزانة حديدية. على الجدران بقيت مسامير بلا صور، باستثناء إطار واحد في الزاوية.
مسحت الغبار عنه.
كانت صورة جماعية التقطت في المزرعة قبل سنوات طويلة.
رأيت جدتي منيرة، أصغر سنًا، تقف بجوار أمي. وقف سليمان في الطرف الآخر، لكن وجهه تحول إلى بقعة بيضاء.
وبينهم كانت هناك امرأة أعرفها.
أم فهد.
قلت:
— وش تسوي جارتنا معهم؟
أخذت أمي الصورة.
— هذي مب أم فهد.
— إلا هي.
— تشبهها، بس الصورة قديمة. أم فهد ما كانت تعرفنا وقتها.
قلبت الإطار.
كُتبت أسماء الواقفين وتاريخ الصورة. كان تحت اسم المرأة:
فوزية بنت سعد.
قالت أمي:
— اسم أم فهد فوزية.
سأل الشيخ:
— متى صارت جارتكم؟
— بعد اختفاء سليمان بسنتين تقريبًا.
نظرنا إلى بعضنا.
قال سعد:
— يمكن صدفة، أو كانت تعرف أمكم من قبل وما قالت.
أخذ الشيخ الصورة ووضعها في ملف شفاف.
— ما نتهم أحدًا لين نعرف.
صدر صوت تشغيل من خارج البيت.
كان جهاز تسجيل.
خرجنا.
تحت شجرة السدر، ظهر مسجل كبير فوق حجر. لم يكن موجودًا حين دخلنا.
وفي داخله شريط يحمل الرقم خمسة.
قالت أمي:
— كان داخل الصندوق.
فتحته في السيارة.
بقيت الأشرطة ستة وسبعة وثمانية فقط.
قال الشيخ:
— محد يقرب حتى أقرأ على المكان.
وقف عند الشجرة وقرأ. تحركت أوراقها مع أن الهواء كان ساكنًا، وسقطت منها حبات سوداء صغيرة لم أرَ مثلها في السدر.
بعد أن انتهى، اقترب من المسجل وفحصه.
— ما فيه بطاريات.
ومع ذلك، دار الشريط.
خرج صوت جدتي:
— هذا الشريط سجلته في المزرعة قبل ثلاثة أيام من موتي.
كان صوتها متعبًا، تتخلله أنفاس قصيرة.
— عرفت إن ذاكرتي بدأت تروح، وعرفت إن نوال بعدها. جيت أدور أصل العمل قبل يوصل الدور لدانة.
جاء صوت خطواتها في التسجيل.
— تحت السدرة دفنوا الربط الأول، لكن سليمان فكه قبل يختفي. اللي بقي هنا مب السحر نفسه... اللي بقي الباب اللي دخل منه الأذى.
قالت أمي:
— صوته قال الشي المدفون يحبس الأذى.
ردت جدتي من الشريط كأنها سمعتها:
— إذا قال لكم إن المدفون يحبسه، يكذب. وإذا قال لكم طلعوه، يكذب بعد. لا تحفرون حتى تسمعون التسجيل السادس وتعرفون وش صار أول ليلة.
نظر الشيخ إلى الأرض تحت الشجرة.
لم نقترب.
قالت جدتي:
— جيت ومعي فوزية. قالت إنها بتساعدني أتذكر المكان.
ظهر صوت امرأة في الخلفية:
— منيرة، تعالي. لقيت الباب.
كان صوت أم فهد.
توقف التسجيل لحظات، ثم عاد صوت جدتي خافتًا:
— إذا سمعتوا صوتها، لا تعلمونها إنكم عرفتوا. فوزية هي اللي عرفت ريم على المرأة اللي سوت السحر.
شهقت أمي.
واصلت جدتي:
— ما أدري إذا كانت شريكة أو ضحية، لكن من يوم سكنت مقابل بيتنا، كل ما قربنا من تذكر سليمان صار شيء يرجعنا.
سمعنا أم فهد في التسجيل تنادي:
— منيرة؟ تكلمين مين؟
قالت جدتي بسرعة:
— الشريط السادس داخل الغرفة المقفلة. مفتاحها مع دانة. لا تثقون بفوزية حتى تسمعونه.
انقطع التسجيل.
في اللحظة نفسها، رن هاتف أمي.
كانت أم فهد.
ردت أمي دون أن تضعه على مكبر الصوت.
— هلا أم فهد.
تحدثت المرأة، وتغير وجه أمي.
قالت:
— لا، للحين بالطريق... ما وصلنا.
نظرت إليّ.
واصلت أم فهد الكلام.
قالت أمي:
— حصة عندك، صح؟
جاء صوت أم فهد واضحًا من الهاتف:
— حصة؟ دانة هي اللي عندي.
تجمدنا.
قالت أمي:
— وش تقولين؟
— دانة جالسة بالصالة من يوم طلعتوا. تقول إن اللي راحت معكم مب هي.
نظرت أمي إليّ.
عاد الشك إلى عينيها.
قلت:
— لا تصدقينها.
أبعدت الهاتف عن أذنها.
صرخت أم فهد من السماعة:
— نوال، ابتعدي عن اللي معك!
أغلق الشيخ المكالمة.
قال لأمي:
— انظري إلى يدك.
قرأت ما كتبته:
دانة — حصة — بناتي.
قال:
— هذي دانة اللي خرجت معك من بيتك. في الحالتين ما نترك الحقيقة اللي نعرفها لصوت في هاتف.
أومأت أمي، لكنها لم تمسك يدي هذه المرة.
قال سعد:
— وين الغرفة المقفلة؟
بحثنا داخل البيت حتى وجدنا بابًا حديديًا خلف خزانة المطبخ. لم يكن له مقبض، وفي وسطه فتحة تشبه المفتاح الذي تركته جدتي لي.
أدخلته.
قال الشيخ:
— انتظري.
قرأ، ثم طلب من سعد الوقوف بجواره.
أدرت المفتاح.
انفتح الباب إلى الداخل.
كانت خلفه غرفة صغيرة بلا نوافذ. غطت جدرانها صور كثيرة لسليمان ونوال وأنا طفلة. في كل صورة، اختفى وجه أبي وحده.
في المنتصف كرسي خشبي، وفوقه جهاز تسجيل يحمل الشريط السادس.
أما الجدار المقابل، فكُتبت عليه أسماء بقلم أسود:
سليمان.
نوال.
دانة.
حصة.
منيرة.
وتحتها اسم سادس:
فوزية.
كان اسمها الوحيد الذي لم يُشطب.
قال الشيخ:
— لا تدخلون.
لكن أمي كانت تنظر إلى شيء في زاوية الغرفة.
قالت:
— سليمان؟
لم أرَ أحدًا.
دخلت قبل أن نمسكها.
أُغلق الباب خلفها بقوة.
ركضت إليه وحاولت فتحه. لم يتحرك المفتاح.
ضربت أمي الحديد من الداخل.
— دانة! افتحي!
قال الشيخ:
— تراجعي.
حاول سعد كسر القفل.
جاء صوت أمي من الداخل:
— هو هنا! أبوك حي!
توقفت.
قالت وهي تبكي:
— دانة، تعالي شوفيه.
ثم جاء صوت رجل معها:
— افتحي يا بنتي.
سمعت صوت أبي قريبًا للمرة الأولى، دون هاتف أو تسجيل.
قال:
— أمك تذكرتني.
ثم همس:
— باقي انتي.
اشتغل المسجل داخل الغرفة.
وبدأ الشريط السادس يدور.
جاء صوت ثلاث طرقات من الجهة الأخرى للباب.
الأولى بصوت يد أمي.
طق.
الثانية بصوت يد أبي.
طق.
أما الثالثة...
فجاءت من داخل الصندوق الذي أحمله.
طق.
