في الظلام، تحرك شيء فوق السقف.
لم تكن خطوات هذه المرة.
كان صوت احتكاك بطيئًا، كأن جسدًا ثقيلًا يُسحب فوق رؤوسنا.
شهقت حصة، فمدت أمي يدها في العتمة واحتضنتها. أما الشيخ عبدالوهاب، فواصل القراءة بصوت مرتفع وثابت.
جاءت ضربة من السطح.
ثم انبعج جزء صغير من سقف الصالة إلى الداخل.
تساقط الغبار فوق شعر حصة.
قال الشيخ:
— قوموا عن هالمكان.
تحركنا ناحية الباب الداخلي. ظل الصوت يتبعنا من فوق، ويتوقف كلما توقفنا.
خطت حصة خطوة إلى اليمين.
تحرك معها.
عادت إلى اليسار.
عاد معها.
قالت وهي تبكي:
— يمّه، هو يشوفني.
قال الشيخ:
— لا تلتفتين له، وكرري: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق.
رددناها جميعًا.
ازدادت حركة الشيء فوقنا لحظات، ثم ابتعدت بسرعة نحو آخر السطح. سمعنا ارتطامًا قويًا عند الخزان، وبعده عاد الهدوء.
اشتغلت الأنوار.
كان باب المنزل مغلقًا.
اختفى الظلان من تحته.
أما جهاز التسجيل، فظل يعمل رغم انتهاء الشريط.
خرجت منه أنفاس قصيرة، ثم صوت جدتي تقول:
— نوال، لا تخلينه يعرف إنك نسيتي.
توقفت أمي.
نظرت إليها.
— نسيتي وش؟
لم تجب.
قالت جدتي في التسجيل:
— إذا عرف، بيناديك بصوتها.
انطفأ الجهاز.
اقترب الشيخ وأخرج الشريط بنفسه.
عاد الرقم المكتوب عليه 2.
لم يقل أحد شيئًا.
عاد الشيخ معنا إلى منزلنا.
دخل أولًا، وقرأ في الغرف. لم نجد شيئًا داخل خزانة حصة، ولا آثارًا تحت سرير جدتي، ولا شخصًا فوق السطح. كانت أبواب المنزل ونوافذه سليمة، وكأن الأصوات التي طاردتنا طوال الليل لم تمر به أصلًا.
لكن الصندوق لم يعد داخل خزانة أمي.
وجدناه فوق سريرها.
كان مفتوحًا.
بقيت داخله خمسة أشرطة فقط، مرقمة من أربعة إلى ثمانية.
قالت أمي:
— الثالث ناقص.
قلت:
— واللي سمعناه أمس؟
— رجع اثنين.
قال الشيخ:
— لا تنشغلون بالأرقام. اللي نقل الصندوق يبيكم تكملون، فلا تعطونه اللي يبيه قبل ما نفهم.
أخرج الشريط الرابع.
كان ملصقه قديمًا ومبقعًا، وكُتب عليه بخط مختلف عن خط جدتي:
لنوال فقط.
عرفت أمي الخط فورًا.
قالت:
— هذا خطي.
سألتها:
— انتي سجلتيه؟
قلبته بين يديها.
— ما أذكر.
قال الشيخ:
— لا تشغلونه الآن. ناموا وارتاحوا، وبعد الظهر أرجع لكم.
قبل أن يغادر، طلب منا ألا نبقى متفرقات، وأن نحافظ على الصلاة والأذكار، وألا ننسب لكل صوت معنى غيبيًا من عندنا.
قال وهو ينظر إليّ:
— الخوف يخلي الإنسان يصدق أول تفسير يجيه. لا تصدقين الصوت لأنه يشبه أباك، ولا تكذبينه فقط لأنه يخوفك. اللي ينفعنا الدليل، والاستعانة بالله.
هززت رأسي.
لكنني كنت أعرف أنني سأشغل الشريط قبل عودته.
نامت حصة في غرفة أمي.
أما أنا، فلم أستطع النوم. بقيت في الصالة أراجع رسالة البنك، والقبول الجامعي، وصورة العيد ذات الوجه المقطوع.
عشرة أيام تفصلني عن خسارة مقعدي.
قبل يوم واحد، كانت الرسوم أكبر مشكلة في حياتي.
الآن أصبح هناك رجل محذوف من ذاكرة الناس، وصوت يستخدم رقمي، وشيء عرف هيئة عباءتي، وأشرطة تتغير أرقامها وحدها.
ومع ذلك، ظل جزء صغير وعاقل داخلي يسأل:
إذا كان الحساب حقيقيًا، فربما أستطيع السفر.
كرهت نفسي لهذا التفكير، ثم تذكرت أن أبي نفسه أنشأ الحساب حتى لا تمنعني الفلوس.
قلبت الصورة مرة أخرى.
مررت إصبعي فوق العبارة:
نوال وسليمان ودانة — أول عيد لنا.
قال أبي إن الرمز خلف الصورة.
لكن لم يكن هناك رقم.
وجهت الورقة ناحية ضوء النافذة. ظهرت في الزاوية آثار ضغط خافتة، كأن أحدًا كتب على ورقة كانت موضوعة فوق الصورة.
أحضرت قلم رصاص، ومررته بخفة على الخلف.
ظهر رقم من ست خانات.
وقبل أن أقرأه، مدت يد من خلفي وانتزعت الصورة.
صرخت والتفت.
كانت أمي.
قالت:
— وش تسوين؟
— طلعت الرمز.
نظرت إلى الرقم.
ثم مزقت الصورة نصفين.
حدقت فيها.
— يمّه!
مزقتها مرة ثانية.
أمسكت بيديها.
— وش فيك؟
قالت بصوت غريب، بارد:
— ما لك حساب. ما لك جامعة. ولا لك أب اسمه سليمان.
دفعتها بعيدًا.
— انتي قلتي لي كل شيء أمس!
نظرت إليّ كأنها لا تفهم.
— أمس؟
— البنك، والأشرطة، وأبوي!
خفضت عينيها إلى قطع الصورة في يدها.
بدأ وجهها يتغير.
قالت:
— أنا سويت كذا؟
— توك مزقتيها قدامي.
جلست على الكنبة.
— ما أذكر إني قمت من الغرفة.
خرجت حصة على صوتنا.
قالت:
— وش صار؟
أشرت إلى الصورة.
— أمي مزقتها.
قالت أمي:
— ما كنت أنا.
رفعت أمي رأسها.
— إذا شفتوني أسوي شي وما أذكره، لا تصدقونني.
ذهبت إلى الصندوق، وأخرجت الشريط الرابع.
قالت:
— شغليه.
— الشيخ قال ننتظر.
— هذا بصوتي. يمكن أنا سجلته عشان هاللحظة.
اتصلنا بالشيخ، لكنه لم يرد. وضعنا جهاز التسجيل في منتصف الصالة، وجلسنا متقاربات.
ضغطت التشغيل.
خرج صوت أمي، أصغر سنًا:
— اسمي نوال بنت عبدالله. اليوم الاثنين، وسليمان مفقود له خمسة أيام.
توقفت قليلًا، ثم قالت:
— إذا سمعت التسجيل وما عرفت الاسم، سليمان زوجي، ودانة بنته. لا تثقين بالفراغ اللي في راسك. الفراغ مب دليل إنه ما كان موجود.
وضعت أمي يدها على صدرها.
عاد صوتها بعد قطع واضح في الشريط:
— اليوم السابع. نسيت لون عيونه. منيرة قالت إنها بنية، وأنا كنت أحسبها سودا. كتبت كل شيء أتذكره قبل يروح: يكره الكزبرة، ينام على الجنب اليمين، وإذا فكر يحرك سبابته فوق حاجبه.
قطع آخر.
— اليوم العاشر. صحيت وأنا ما أعرف ليه فيه ثوب رجال بخزانتي. خفت ورميته. امي منيره رجعته وقالت لا ترمين أي شيء، لأن كل غرض يمكن يرجع ذكرى.
كانت أمي تبكي بصمت.
سمعنا نسختها القديمة تقول:
— اليوم الثاني عشر. دانة نادت بابا وهي نايمة. ما أعرف إذا كانت تحلم فيه أو في الشي اللي يقلد صوته.
ثم تغير التسجيل.
صار صوت أمي أكثر تعبًا.
— إذا وصلتي لهالجزء يا نوال، يمكن نسيتي دانة بعد.
التفتت إليّ أمي بسرعة.
واصل الصوت:
— السحر كان للتفريق بينك وبين سليمان. لكن يوم بدأ اسمه يختفي، صار كل شخص يحمل أثرًا منه معرضًا للنسيان. دانة تحمل اسمه في دمها وأوراقها. إذا اكتمل محوه، يبدأ فيها.
أمسكت أمي بيدي.
قال التسجيل:
— اكتبي أسماء بناتك كل صباح. دانة وحصة. إذا صحيت يومًا وما عرفتي وحدة منهن، لا تخلينها تشوف خوفك. قولي لها الجملة اللي اتفقتوا عليها.
توقف الصوت.
سألت أمي:
— أي جملة؟
عاد التسجيل:
— الجملة هي: البيت يعرف أهله ولو غابت الذاكرة.
كررتها أمي:
— البيت يعرف أهله ولو غابت الذاكرة.
ثم جاء صوت طرق داخل الشريط.
لم نتحرك.
قالت نوال القديمة:
— إذا سمعتِ صوتك يطلب منك فتح الباب، لا تفتحين. هو ما يقدر يصنع ذكرى جديدة؛ يكرر اللي أخذه منكم. اسأليه عن شيء صار بعد اختفاء سليمان.
انقطع التسجيل.
ثم عاد بصوت منخفض جدًا.
— ومهما صار، لا تقولين لدانة إنك تكرهينها.
نظرت إلى أمي.
قالت:
— عمري ما قلتها.
واصل الصوت:
— حتى لو حسيتِ بالكراهية فجأة، مب منك. هذا اللي بدأ فيه السحر أول مرة. يخلي أقرب شخص لك يبدو غريبًا، ثم يحول خوفك منه إلى كره.
تذكرت وجه أمي قبل دقائق عندما مزقت الصورة.
لم يكن غاضبًا.
كان خاليًا من المشاعر.
قال التسجيل:
— إذا بدأتي تنسين دانة، خذيها إلى مزرعة أمك القديمة عند ضرما. تحت السدرة فيه الشي اللي ربط أسماءكم. الموقع مكتوب في دفتر الوصفات الأزرق.
توقف الشريط.
قالت حصة:
— دفتر الجدة بالمطبخ.
ذهبت وأحضرته.
كان دفترًا سميكًا، امتلأت صفحاته بوصفات الطعام وملاحظات جدتي. قلبناه حتى وجدنا الصفحة الأخيرة.
لم تحتوِ على عنوان.
كان مكتوبًا فيها:
لا تروحين للمزرعة مع نوال إذا ما عرفتك.
وتحتها:
الشريط الخامس يعرف الطريق.
قالت أمي:
— أنا أعرفك.
قلت:
— قبل شوي قلتي ما لي أب.
— لخبطت.
— ومزقتي الصورة.
أمسكت بوجهي.
— دانة، انتي بنتي.
— قولي الجملة.
— أي جملة؟
شعرت بقلبي يهبط.
قلت:
— اللي سمعناها قبل شوي.
نظرت إلى حصة تستنجد بها.
قالت حصة:
— البيت يعرف أهله ولو غابت الذاكرة.
كررتها أمي بسرعة:
— إي، البيت يعرف أهله ولو غابت الذاكرة.
لكنها لم تتذكرها.
أخذتها من حصة.
رن هاتف أمي.
ظهر على الشاشة الرقم القديم لسليمان.
قالت:
— لا تردون.
استمر الرنين، ثم وصل تسجيل صوتي.
هذه المرة شغلناه أمام بعضنا.
جاء صوت أبي:
— نوال، لا تروحين للمزرعة.
نظرت أمي إلى الجهاز.
— هذا صوته.
قال التسجيل:
— منيرة غلطت. الشي المدفون تحت السدرة مب أصل السحر، هو اللي كان يحبس الأذى. إذا طلعتوه، يكتمل التفريق.
سألته أمي كأنه يسمعها:
— أجل وينك؟
أجاب الصوت فورًا:
— بالمزرعة!!
تراجعنا!
لم يكن تسجيلًا.
كان يسمعنا؟!
قال أبي:
— جيبي دانة لحالها. أقدر أوقع لها أوراق الحساب، وبعدها تسافر وتتركون كل هالموضوع.
قلت:
— إذا أنت أبوي، وش الرمز اللي خلف الصورة؟
سكت.
ثم قال الأرقام الستة نفسها التي كشفتها بالقلم.
أمسكت أمي بيدي.
قال أبي:
— شوفي؟ أنا سليمان.
قلت:
— الرمز كان موجودًا بالصورة. تقدر تعرفه بدون ما تكون أبوي.
تغير صوته.
أصبح أكثر جفافًا:
— ذكية مثل أمك.
ثم عاد يقلد أبي:
— عشان كذا لازم تجين قبل ما تنساك.
أغلق التسجيل.
قالت أمي:
— ما راح أنساك.
نظرت إلى عينيها.
— وش اسمي؟
ابتسمت وسط دموعها.
— دانة.
— وأختي؟
التفتت إلى حصة.
ترددت لحظة أطول مما ينبغي.
— حصة.
ضممتها.
قالت في أذني:
— البيت يعرف أهله وان نسيتهم الذاكرة.
هذه المرة قالتها وحدها.
عاد الشيخ عبدالوهاب بعد الظهر.
سمع الشريط الرابع، ثم الرسالة الصوتية. قال إن الذهاب إلى المزرعة قد يكون ضروريًا إذا كان هناك سحر مدفون، لكننا لن نذهب وحدنا أو اعتمادًا على صوت مجهول. طلب منا تجهيز الوثائق القديمة، ومعرفة اسم مالك المزرعة وموقعها من مصادر حقيقية.
اتصلت أمي بخالتي مها، أختها الوحيدة.
سألتها عن مزرعة الجدة قرب ضرما.
قالت مها:
— أمي ما عندها مزرعة.
— كان عند أبوها أرض قديمة.
— أول مرة أسمع.
أخرجت أمي دفترًا قديمًا للهواتف، ووجدت رقم محامٍ كان يتولى أوراق جدتي. اتصلنا به، وبعد بحث قصير أكد أن منيرة ورثت مزرعة مهجورة، لكنها نقلت ملكيتها قبل أسبوعين من وفاتها.
سألته أمي:
— نقلتها لمين؟
قال:
— لحفيدتها.
نظرت إليّ.
سألته:
— أي حفيدة؟
ذكر اسمي كاملًا.
أصبحت المزرعة ملكي.
قال المحامي إن صكها ومفتاحها داخل ظرف سلّمه لمنيرة قبل وفاتها، وإنها قالت إن دانة ستعرف مكانه.
بحثنا في الصندوق، وفي غرفة جدتي، وبين أوراقها.
لم نجد الظرف.
وقبل المغرب، بينما كنا نجمع أغراضها من جديد، نادتني أمي من غرفتها.
دخلت.
كانت تقف أمام المرآة، تحمل ظرفًا بنيًا.
قالت:
— لقيته تحت مخدتي.
أخذته منها.
كان يحمل اسمي، وداخله صك المزرعة ومفتاح حديدي قديم.
وفي أسفل الظرف وجدت صورة حديثة التقطت لبوابة المزرعة.
وقف أمامها رجل بثوب أبيض.
وجهه غير ظاهر لأنه ينظر إلى الداخل.
على ظهر الصورة كتبت جدتي:
هذا آخر مكان رأيت فيه سليمان.
وتحت العبارة تاريخ يعود إلى ثلاثة أيام قبل وفاتها.
قلت:
— جدتي شافته قبل تموت.
لم تجب أمي.
نظرت إليها.
كانت تحدق في وجهي بخوف.
قلت:
— يمّه؟
تراجعت خطوة.
— انتي كيف دخلتي بيتي؟
شعرت بأن الهواء اختفى من الغرفة.
قلت:
— أنا دانة.
هزت رأسها.
— ما أعرف وحدة اسمها دانة.
رفعت صوتي:
— حصة!
جاءني صوت أختي من الممر:
— وش فيه؟
وقبل أن تدخل، ظهر شخص آخر خلف أمي في المرآة.
كان يشبهني تمامًا.
نفس وجهي.
نفس شعري.
ونفس العباءة ذات الخط الرمادي.
ابتسم انعكاسي لأمي وقال بصوتي:
— يمّه، ابتعدي عنها.
التفتت أمي نحوي، ثم إلى الفتاة التي لا تظهر إلا في المرآة.
قالت النسخة الأخرى:
— هذي مب بنتك.
مدت يدها من داخل الزجاج.
وطلعت ...
