اتصلت أمي بحصة مرة أخرى.
لم ترد.
حاولت أنا، ثم عادت أمي تحاول، بينما كانت تطلب السائق القيادة بسرعة جعلت السيارات من حولنا تطلق أبواقها، ورددت بصوت منخفض:
— حسبي الله ونعم الوكيل... حسبي الله ونعم الوكيل.
قلت:
— يمكن جوالها طفى.
لم تجب.
اتصلت بجارتنا أم فهد. ردت بعد رنات طويلة، وكان صوتها مترددًا:
— هلا يا نوال.
قالت أمي:
— أم فهد، حصة عندكم؟
— حصة؟
— إي، بنتي حصة. تكفين شوفي البيت، كانت لحالها وانقطع جوالها.
سكتت المرأة لحظة.
— أنا شفت وحدة تدخل بيتكم قبل شوي.
نظرت أمي إليّ.
— مين؟
— حسبتها دانة.
شعرت بجلدي يبرد.
قالت أمي:
— دانة معي بالسيارة.
جاء صمت آخر، أطول هذه المرة.
ثم قالت أم فهد:
— أجل مين اللي سلمت علي؟
سألتها:
— شفتِ وجهها زين؟
— كانت لابسة عباية دانة السوداء، حقت الخط الرمادي. قلت لها الله يرحم جدتك، وهزت راسها ودخلت.
نظرت إلى عباءتي.
كانت سوداء بخط رمادي عند الأكمام.
قالت أمي:
— روحي عند بابنا ولا تدخلين. نادي حصة من برا.
— نوال، روعتيني. وش فيه؟
— أشرح لك بعدين. بس تكفين لا تدخلين البيت.
أغلقت أمي الخط.
قلت:
— لو اللي دخل يشبهني، كيف عرف عبايتي؟
قالت:
— سمع صوتك أول، والحين قاعد يجرب الباقي.
— وش هو بالضبط؟
— لا تعطينه اسمًا.
— ليه؟
— لأننا ما نعرفه. وإذا سمينا الشي قبل نعرفه، يمكن نصدق الكذبة اللي يبيها.
كانت هذه أول إجابة منطقية تقولها منذ بدأ كل شيء.
لم تدّعِ أنها تعرف نوعه أو ما يقدر عليه. كانت خائفة مثلي، لكنها تعلمت من سنوات الخوف ألا تمنح كل صوت تفسيرًا.
رن هاتفها.
أم فهد.
ردت أمي فورًا.
— لقيتيها؟
قالت الجارة:
— بابكم مفتوح، وأنادي ما أحد يرد. بس أسمع أحد يبكي داخل.
— لا تدخلين.
— يمكن حصة!
صرخت أمي:
— لا تدخلين يا أم فهد!
توقف البكاء في خلفية المكالمة.
ثم سمعنا صوت حصة تقول:
— خالة، تعالي.
قالت أم فهد:
— هذي هي، تناديني.
قلت بصوت مرتفع:
— خالة، حصة تناديك «أم فهد»، ما تقول لك خالة!
سكتت الجارة.
عاد الصوت من داخل بيتنا:
— أم فهد... تعالي.
أغلقت الجارة الخط.
وصلنا بعد دقائق.
كانت أم فهد واقفة عند باب منزلها المقابل، تحمل هاتفها بيد ومصحفًا صغيرًا باليد الأخرى. أشارت إلى بيتنا دون أن تقترب.
كان الباب الخارجي مفتوحًا.
قالت:
— من يوم سكرت، ما عاد سمعت شي.
سألتها أمي:
— شفتي حصة تطلع؟
— لا.
أمسكت أمي بيدي قبل أن ندخل.
— نقول بسم الله، ونقرأ آية الكرسي. لا تروحين عني، ومهما سمعتي لا تردين إلا إذا شفتي الشخص قدامك.
قرأنا، ثم دخلنا.
كانت الصالة خالية.
ناديت:
— حصة؟
ضغطت أمي على يدي.
— قلنا ما ننادي.
— لازم تعرف إننا جينا.
أشارت إلى الأرض.
ظهرت آثار أقدام متربة تبدأ من باب المنزل وتتجه إلى غرفة جدتي. كانت صغيرة، بمقاسي تقريبًا، لكن القدم اليسرى مطبوعة إلى الخلف.
كأن صاحبها سار نحونا وهو يواجه الجهة الأخرى.
وصلنا إلى غرفة حصة.
كان بابها مغلقًا.
سمعنا حركة في الداخل.
قالت أمي:
— حصة، إذا انتي داخل اقري آخر آيتين من سورة البقرة.
لم يجب أحد.
ثم بدأ صوت حصة بالقراءة.
كان مرتجفًا، لكنه واضح.
أكملت الآيتين دون خطأ.
فتحت أمي الباب.
لم نجدها.
خرج صوتها من الخزانة:
— يمّه؟
اقتربت أمي.
قلت:
— وقفي.
أخذت هاتف حصة واتصلت بهاتفي. بدأ هاتفي يرن داخل حقيبتي، أما هاتفها فبقي صامتًا في يدي.
قلت للخزانة:
— إذا انتي حصة، وين جوالك؟
قال صوتها:
— معي.
نظرت إلى الجهاز في يدي.
تراجعت أمي.
تغير صوت القراءة داخل الخزانة.
أصبحت الآيات تُعاد بالمقلوب، كلمة بعد أخرى، كأن الصوت لا يفهم معناها ويحاول تقليد ما سمعه فقط.
قالت أمي بحزم:
— هذا كلام محرّف، لا تسمعين له.
رفعت صوتها بالقراءة الصحيحة.
اهتز باب الخزانة.
خرجت منه ضربة قوية، ثم ضربة ثانية.
لم ننتظر الثالثة.
خرجنا وأغلقنا باب الغرفة.
في الصالة، سمعنا صوتًا خافتًا من المطبخ.
— يمّه...
كان صوت حصة، لكنه ضعيف ومتعب.
لم نرد.
جاء الصوت مرة أخرى:
— دانة، أنا عند الشباك.
اقتربنا بحذر.
وجدنا نافذة المطبخ مفتوحة. في الخارج، بين الجدار وبيت الجيران، وقفت حصة فوق مظلة معدنية ضيقة، حافية القدمين، وتتشبث بأسلاك المكيف.
كانت تبكي.
قالت:
— لا تخلونه يشوفني.
فتحت أمي النافذة وسحبناها إلى الداخل.
احتضنتنا وهي ترتجف.
قالت إنها عندما سمعت صوتي عند باب غرفتها تذكرت أنني كنت معها على الهاتف، فلم تفتح. دخل المقبض إلى الأسفل وحده، فهربت من النافذة وجلست فوق المظلة.
سألتها:
— مين كان يقرأ داخل غرفتك؟
نظرت إليّ باستغراب.
— ما سمعت أحد يقرأ.
جاء صوت سقوط شيء من غرفة جدتي.
قالت أمي:
— نطلع من البيت.
قالت حصة:
— صندوق الجدة هناك.
— نخليه.
أمسكت بذراعها.
— والشريط الثاني؟
تغير وجه حصة.
— كان عند باب غرفتي.
— وش؟
— يوم جيت آخذ الشنطة، لقيت شريطًا على الأرض. مكتوب عليه رقم اثنين.
— وين حطيتيه؟
أشارت إلى جيب عباءتها المعلقة قرب المدخل.
أخرجته.
كان الشريط الثاني.
على أحد وجهيه كُتب الرقم بخط جدتي.
وعلى الوجه الآخر كُتبت جملة لم تكن موجودة من قبل:
سمعتم صوتي. الآن جاء دوركم حتى تروني.
لم نعد إلى المنزل تلك الليلة.
أخذتنا أم فهد إلى بيت ابنتها القريب، واتصلت أمي برجل اسمه الشيخ عبدالوهاب. لم تصفه بأنه معالج ولا أخبرته عن الأشرطة. قالت فقط إننا وجدنا شيئًا متعلقًا بسحر قديم، وإن أصواتًا غريبة تُسمع في البيت.
وصل بعد صلاة العشاء.
كان في أواخر الخمسين، هادئًا، لا يحمل حقيبة غريبة ولا زجاجات مجهولة. دخل وسلم، ثم سألنا عن الصلاة والأذكار قبل أن يسأل عن الطرقات.
وضعت أمي الشريط أمامه.
قالت:
— هل ممكن يكون الشريط مسحورًا؟
قال:
— ما نحكم على شيء بلا بينة. الشريط جماد، لا يضر ولا ينفع. وإذا فيه أذى، فالأذى من الساحر والشيطان، مب من البلاستيك اللي قدامنا.
سألته:
— والطرقات الثلاث؟
— ما أعرف لها معنى شرعي، ولا أحد يخوفكم ويقول الثالثة تسوي كذا أو الأولى تعني كذا. قد يكون تخويفًا وتلاعبًا حتى تتعلق قلوبكم بالعدد وتنسون الاستعاذة بالله.
شعرت بشيء من الراحة.
منذ بدأ الأمر، كنا نتعامل مع كل طرقة كأنها قانون لا يمكن كسره. أما هو، فأعادها إلى حجمها الحقيقي: صوت يستخدمه شيء خبيث ليزرع الخوف.
قال:
— لكن تقليد الأصوات وتحريف القرآن أمر ما نسكت عنه. الليلة ما أحد يرجع البيت وحده. وبكرة نقرأ في البيت، وإذا وجدنا عقدًا أو شيئًا مشتبهًا فيه ما تلمسونه حتى نعرف كيف نتلفه بطريقة صحيحة.
سألته أمي:
— نشغل الشريط؟
فكر قليلًا.
— إذا كان فيه دليل تحتاجونه، نسمعه ونحن مجتمعون. لكن لا تصدقون كل ما فيه؛ الصوت المسجل يمكن قصه وتقليده، والشيطان كذاب.
وضعت الشريط في جهاز آخر أحضرته أم فهد.
جلسنا جميعًا في الصالة: أنا وأمي وحصة والشيخ عبدالوهاب وأم فهد. قرأنا أذكار المساء، ثم ضغطت زر التشغيل.
خرج تشويش طويل.
بعده جاء صوت الرجل الذي سمعته في غرفة جدتي.
لكن هذه المرة لم ينادني.
قال:
— اسمي سليمان عبدالرحمن ال..... أسجل هذا الكلام يوم الخميس، السابع عشر من شعبان. إذا كانت دانة تسمعه، فأنا أبوها.
رفعت أمي يدها إلى فمها.
عرفت صوته.
واصل:
— يا دانة، يوم سجلت لك هالشريط كان عمرك سبعة أشهر. ما أدري كم بيصير عمرك يوم تسمعينه، ولا أدري وش قالوا لك عني.
سمعت ابتسامة صغيرة في صوته.
— تحبين تنامين على كتفي اليسار، وكل ما حطيتك في سريرك صحيتي. أمك تقول إني دلعتك، وأنا أقول البنت ما تشبع من حضن أبوها.
بدأت أبكي.
لم تكن لدي ذكرى واحدة للرجل، لكنه كان يملك ذكرى عني.
قال:
— فتحت لك حسابًا للدراسة. إذا كبرتي وقلتي أبي أتعلم بمكان بعيد، لا يوقفك أحد عشان الفلوس. الحساب باسمك، والأوراق الرسمية عند أمك منيرة.
تابع أبي:
— إذا منعوك من المبلغ، الرمز موجود خلف صورتنا في أول عيد. لا تقرينه بصوت مرتفع، ولا تعطينه لأي شخص يتصل عليك.
تذكرت الصورة التي أخذتها أمي.
قلت:
— وينها؟
أخرجتها من حقيبتها.
قلبناها.
لم يكن خلفها سوى العبارة والتاريخ.
قال الشيخ:
— لا تستعجلون. كملوا.
عاد صوت أبي:
— نوال، إذا تسمعين، لا تلومين نفسك. اللي صار ما كان بسببك. لقينا العمل مدفونًا تحت شجرة السدر في المزرعة، لكني غلطت يوم رحت له لحالي. كنت أحسب إني أقدر أنهيه بدون ما أفضح اللي سوته.
شهقت أمي.
قالت:
— كان يعرف.
— يعرف وش؟ سألتها.
لم تجب.
في التسجيل، سمعنا بابًا يُفتح.
قال أبي:
— وش جابك؟
جاء صوت امرأة:
— أنت تسجل؟
قالت أمي فورًا:
— ريم.
سألتها:
— مين ريم؟
حدقت في الجهاز.
— زوجته الأولى.
ارتفع صوت المرأة في التسجيل:
— طفيه يا سليمان.
قال:
— قولي وش حطيتي تحت السدرة.
— ما حطيت شي.
— لقيت شعرك وشعر نوال مربوطين مع بعض، وبينهم ورقة باسمي.
— قلت لك طفي التسجيل.
— من ودّاك لذي المرأة؟
سقط شيء، ثم اقترب صوت ريم من الجهاز.
قالت:
— أنا ما كنت أبيك تختفي. قالت لي بتخليك تكرهها وترجع لبيتك وعيالك.
— عيالي ما تركتهم.
— تركتني أنا.
— فسحرتيني !
بدأت تبكي.
— كنت أبيك تنساها بس.
انقطع الشريط.
بقيت أمي تنظر أمامها.
قلت:
— ريم حية؟
قالت:
— ما أدري.
— كيف ما تدرين؟
— لأني ما كنت أتذكر اسمها إلى قبل دقيقة.
أعاد الشيخ الشريط إلى بدايته وسمع الجزء الأخير مرة أخرى. ثم قال:
— هذا دليل على سحر تفريق، وهو من الكبائر والشرور. لكن اختفاء الرجل ومحو ذكراه كما تصفونه يحتاج تثبت؛ قد تختلط آثار نفسية وتزوير في الأوراق مع وسوسة وأذى من الجن. لا نبني اعتقادًا على كلام التسجيل وحده.
قالت أمي:
— وش نسوي؟
— نبحث عن الشيء المدفون، ونستعين بالله، ولا تذهبون للمزرعة حتى نعرف موقعها ونتأكد ممن يملكها.
سألته:
— والشريط الثالث؟
قال:
— جدتك قالت لا تسمعينه وحدك. ونحن مجتمعون الآن.
فتحت أمي حقيبتها.
توقفت.
قالت:
— مفتاح الخزانة معي.
— طيب؟
— الصندوق داخل خزانتي في البيت.
نظرنا إلى الشريط الموجود فوق الطاولة.
لم يعد يحمل الرقم اثنين.
ظهر فوق الملصق رقم جديد مكتوب بحبر داكن:
3
قالت حصة:
— يمكن مسحتي الرقم بالغلط؟
رفع الشيخ الشريط دون أن يلمسه مباشرة، وتأمله.
— لا تشغلونه.
قلت:
— ليه؟ قبل شوي قلت نسمعه.
— لأننا ما نعرف من بدله، ولا وش صار بالشريط الحقيقي.
في اللحظة نفسها، اشتغل جهاز التسجيل وحده.
دار الشريط.
خرج صوت جدتي من السماعة:
— إذا وصلتم للشريط الثالث، لا تبحثون عن ريم.
مد الشيخ يده لإيقافه.
قالت جدتي بسرعة:
— هي ما بدأت السحر.
توقف الشيخ.
واصل الصوت:
— ريم طلبته، لكنها ما كانت تعرف الثمن. اللي بدأت كل شيء امرأة من أهلنا، وكل واحد فيكم قابلها أكثر من مرة.
نظرنا إلى بعضنا.
قالت جدتي:
— أنا عرفت اسمها، وعشان كذا عرفت إني ما راح أعيش لين تسمعون الأشرطة.
جاء صوت طرق داخل التسجيل.
طق.
لكن هذه المرة لم نسمع الطرقة في الغرفة.
قالت جدتي:
— أول ما تسمعون الطرق، لا تردون. استعِيذوا بالله، ولا توقفون التسجيل.
جاءت الطرقة الثانية في الشريط.
طق.
رفعت أم فهد يدها إلى فمها.
أما الشيخ، فبدأ يقرأ آية الكرسي بصوت ثابت.
تحول صوت جدتي إلى همس:
— الثالثة ما راح تجي من الشريط.
انتظرنا.
مرت ثانية.
ثم ثانيتان.
ثم جاء صوت طرق خفيف من باب الغرفة الجالسين فيها.
مرة واحدة.
طق.
لم يتحرك أحد.
عاد الطرق، أقوى.
طق.
قالت أم فهد بصوت خافت:
— يمكن بنتي رجعت.
أشار إليها الشيخ ألا تجيب.
اقترب ظل من أسفل الباب.
وقف في الخارج.
ثم جاء صوت جدتي من خلفه:
— افتحي يا أم فهد. أنا منيرة.
بدأت أم فهد تبكي.
قالت:
— منيرة ميتة.
أجابها الصوت:
— أدري.
توقفت تلاوة الشيخ لحظة من شدة المفاجأة، ثم تابع.
قالت جدتي من خلف الباب:
— جبت لكم سليمان.
ظهر ظل ثانٍ بجوار ظلها.
ظل رجل أطول منها.
جاء صوت أبي:
— دانة، افتحي. أبي أشوف بنتي.
بكيت دون صوت.
أمسكت أمي بيدي.
قال الشيخ:
— لا أحد يفتح.
قال أبي:
— معك حق يا شيخ عبدالوهاب.
توقف الشيخ عن القراءة.
لم نكن قد ذكرنا اسمه في التسجيل.
قال الصوت من الخارج:
— خلك مكانك يا عبدالوهاب. الثالثة مب لكم.
تحرك ظل أبي مبتعدًا عن الباب.
ثم سمعنا خطواته فوق سطح المنزل.
خطوة.
ثم أخرى.
حتى توقفت فوق المكان الذي تجلس فيه حصة مباشرة.
رفعت حصة رأسها إلى السقف.
وجاءت الطرقة الثالثة من فوقها.
طق.
انطفأت الأنوار.
وفي الظلام، صرخ صوت جدتي من داخل جهاز التسجيل:
— لا تخلونه يأخذ البنت الثانية!
