محمد الشبريكل أجزاء القصة
المزرعة المهجورة التي تبدأ عندها حكاية الشريط الثامن

الشريط الثامن: ثلاث طرقات

الجزء الثاني

الرجل المنسي

قراءة نحو 8 دقائق
الجزء الثاني

لم أتحرك.

بقيت جالسة فوق سرير جدتي، وقدماي مرفوعتان عن الأرض، كأن بضعة سنتيمترات تكفي لحمايتي مما طرق من الأسفل.

كان باب الخزانة مفتوحًا، وجهاز التسجيل يدور بلا صوت.

أما الغرفة، فعادت كما كانت.

هادئة.

ساكنة.

وهذا ما جعل خوفي أسوأ.

لو استمر الطرق، لصرخت. ولو خرج شيء من الخزانة، لركضت. لكن الصمت تركني معلقة بين احتمالين: إما أنني سمعت شيئًا مستحيلًا، أو أن الحزن وقلة النوم بدآ يعبثان بعقلي.

خفضت رأسي ببطء، ونظرت إلى الفراغ تحت السرير.

لم أرَ سوى ظلام خفيف وبعض الصناديق القديمة.

مددت يدي إلى هاتفي وشغلت المصباح، ثم وجهته إلى الأسفل.

لم يكن هناك أحد.

نزلت من السرير، وتراجعت ناحية الباب. قبل أن أخرج، ضغطت زر الإيقاف في جهاز التسجيل.

لم يتوقف.

ضغطته مرة ثانية.

ظلت البكره تدور.

نزعت البطاريات من خلف الجهاز.

توقفت أخيرًا.

أخذت نفسًا طويلًا.

ثم دارت البكره نصف دورة وحده.

ورجع صوت الرجل:

— دانة...

سقط الجهاز من يدي.

خرجت من الغرفة وأغلقت الباب بقوة.

وجدت أمي واقفة في نهاية الممر.

كانت تحمل مسباح جدتي، وتنظر إليّ كأنها تعرف تمامًا ما حدث.

قالت:

— سمعتيه؟

لم أسألها من تقصد.

قلت:

— قال إنه أبوي.

تغير وجهها.

— كم شريط شغلتي؟

— الأول بس.

— والطرق؟

— ثلاث مرات.

أغمضت عينيها.

— رديتي؟

تذكرت سؤالي عند الطرقة الأولى.

«مين؟»

لم أجبها.

أمسكت بذراعي.

— دانة، رديتي عليه؟

— ما كنت أدري!

تركتني، ووضعت يدها على رأسها.

— يا رب سترك.

قلت بغضب غطى خوفي:

— بدال ما تقولين يا رب سترك، قولي لي وش قاعد يصير.

— الحين نقرا أذكارنا، وبكرة أشرح لك.

— لا. انتي قلتي بكرة طول عمري.

رفعت صوتي:

— أبوي مين؟ وين راح؟ وليش كل ما أسأل عنه تعاملوني كأني سألت عن مصيبة؟

خرجت حصة من غرفتها.

— وش فيكم؟

التفتت إليها أمي بسرعة.

— ارجعي غرفتك.

— ليه؟

— حصة، الله يصلحك، روحي.

نظرت حصة إليّ، ثم إلى باب غرفة جدتي.

— سمعتكم تشغلون تسجيل؟

قالت أمي:

— ما فيه تسجيل.

عقدت حصة حاجبيها.

— أجل مين الرجال اللي كان يتكلم؟

ساد الصمت.

اقتربت منها.

— سمعتي وش قال؟

— ما فهمت. بس حسبته أحد عندكم.

سألتها أمي:

— ناداك باسمك؟

— لا.

ظهر الارتياح على وجه أمي.

قالت:

— روحي غرفتك، واقري أذكارك قبل تنامين.

— وش السالفة؟

— بكرة أقول لك.

نظرت حصة إليّ.

قلت:

— روحي الحين. أنا أشرح لك بعدين.

ترددت، ثم عادت إلى غرفتها.

انتظرت حتى أغلقت الباب.

قلت لأمي:

— حتى هي تكذبين عليها؟

— حصة مالها دخل.

— وأنا لي دخل؟

نظرت نحو غرفة جدتي.

— من يوم انولدتي وانتي داخل الموضوع، حتى لو حاولنا نطلعك منه.

جلست في الصالة، وجلستُ أمامها.

ظلت تقلب المسباح بين أصابعها، ثم قالت:

— أبوك سليمان ما كان رجالًا سيئًا.

كانت هذه أول جملة حقيقية أسمعها عنه من أمي.

قلت:

— طيب وينه؟

— لو أعرف، كان ما وصلنا لهنا.

— جدتي قالت إن الناس نسوه.

هزت رأسها.

— بالبداية نسوه أهله. أمه قامت من النوم وقالت ما عندها ولد اسمه سليمان. إخوانه شافوا صوره وما عرفوه. رحنا لشركته، قالوا ما قد اشتغل عندهم أحد بهالاسم، مع إن مكتبه وأوراقه كانت موجودة.

— والشرطة؟

ابتسمت بمرارة.

— بلغنا. بعد يومين اتصل الضابط وسألني: مفقودكم وش يقرب لك؟ قلت زوجي. قال: أي زوج؟ سجلاتك وقتها كانت تقول إنك ما تزوجتي أصلًا.

— مستحيل.

— هذا اللي صار.

— وهويتي؟ اسم أبوي فيها.

— ما تغير كل شيء بنفس الوقت. بعض الأوراق بقيت، وبعضها اختفى. وكل ما حاولنا نثبت وجوده، لقينا دليلًا ناقصًا. صورة بلا وجه. عقد بلا توقيع. اسم في ورقة، وإذا رجعنا لها بعد أيام نلقاه ممسوحًا.

سألتها:

— ليش انتي ما نسيتيه؟

توقفت أصابعها عن تحريك المسباح.

— نسيته.

حدقت فيها.

قالت:

— ثلاثة أيام كاملة عشت وأنا ما أعرف إن لك أبًا. كنت أشوفك وأحسب إني جبتك للدنيا لحالي. ما حسيت إن فيه شيء ناقص إلا لما سمعت صوته في تسجيل قديم.

— وتذكرتيه؟

— مب كله. رجعت لي صور متقطعة. عرسنا. يوم ولدتك. صوته وهو يقرأ عليك الأذان. بعدها عرفت إن التسجيلات تثبت الذكرى براسي فترة.

نظرت إلى الممر.

فهمت لماذا احتفظت جدتي بالأشرطة.

قلت:

— يعني كنتي تسمعينها كل يوم؟

لم تجب.

لكن صمتها كان إجابة.

— ليش قلتي لي إنه مات؟

— لأنك يوم كان عمرك ست سنوات سمعتي تسجيلًا له بالصدفة.

— ما أذكر.

— بعدها بثلاث ليالٍ قمتي من نومك وفتحتي باب الشقة الساعة ثلاث الفجر. لحقت عليك جدتك قبل تطلعين. قلتي لها إن أبوك واقف عند الدرج ويناديك.

شعرت ببرودة في أطرافي.

— كان هو؟

— ما كان فيه أحد.

قالت ذلك، ثم أضافت:

— لكن على الباب من برا كانت فيه ثلاث علامات، كأن أحد ضربه بأصابعه وهي مبللة بطين.

سألتها:

— وش علاقة سماع صوته بالطرق؟

— ما أدري. أمك ما تعرف كل شيء يا دانة.

— طيب السحر؟

رفعت عينيها إليّ.

— جدتي قالت اسمعيها بالترتيب.

— وانتي تعرفين وش في الأشرطة؟

— بعضها.

— والثاني؟

نظرت إلى غرفة جدتي.

— الثاني بصوته هو.

نهضت.

أمسكت بيدي.

— مب الليلة.

قلت:

— ليش؟

— لأنك رديتي على الطرق.

— وش بيصير؟

قالت:

— أول مرة يسمع جوابك، يعرف صوتك.

ثم أشارت إلى باب غرفة جدتي.

— والمرة الثانية يقدر يستخدمه.

لم أنم تلك الليلة.

فرشنا في الصالة أنا وأمي وحصة، وقرأنا أذكارنا قبل النوم. لم تشرح أمي لحصة شيئًا، وقالت لها إننا بقينا معًا لأن البيت فارغ بعد وفاة جدتي.

قرابة الثانية صباحًا، نامت حصة.

بقيت أمي مستيقظة بجانبي.

سألتها:

— كنتي تحبينه؟

ظلت تنظر إلى السقف.

— كل ما أقول إني كنت أحبه، أحس إني أتكلم عن رجال حكت لي عنه وحدة ثانية.

— لأنك نسيتيه؟

— لأني ما عاد أعرف أي ذكرى له صدق، وأي ذكرى بنيتها من كلام أمك وأصوات الأشرطة.

سكتت قليلًا.

— تخيلي تشتاقين لشخص وما تقدرين تتذكرين وجهه.

قلت:

— يمكن الشريط الثاني يرجعه لك.

التفتت إليّ.

— ويمكن يرجع الشي اللي يقلد صوته.

في الصباح، أخذنا الورقة المصرفية وذهبنا إلى البنك.

أصرت أمي أن نترك الأشرطة في البيت. وضعت الصندوق داخل خزانتها وأغلقتها بالمفتاح، ثم أخذت المفتاح معها.

استقبلتنا موظفة شابه، قرأت الورقة أكثر من مرة، ثم أدخلت الأرقام في النظام.

قالت:

— الحساب قديم جدًا.

سألتها:

— موجود؟

— الرقم موجود، بس البيانات ناقصة. عطيني هويتك.

اعطيتها.

كتبت اسمي، ثم توقفت.

نظرت إلى الهوية.

عادت إلى الشاشة.

قالت:

— اسم الوالد سليمان؟

— إيه.

— حي؟

نظرت إلى أمي.

قالت:

— مفقود.

— عندكم بلاغ فقدان أو حصر ورثة؟

— كان فيه بلاغ قديم.

بحثت الموظفة مرة أخرى، ثم نادت مديرتها. تحدثا بصوت منخفض، وأخذا الورقة إلى مكتب داخلي.

انتظرنا قرابة نصف ساعة.

عادت المديرة وحده.

جلست أمامنا ووضعت الورقة فوق الطاولة.

قالت:

— الحساب صحيح، وانفتح قبل ثمانية عشر عامًا كوديعة تعليمية باسم دانة.

شعرت أن صدري اتسع للمرة الأولى منذ وفاة جدتي.

سألت:

— أقدر أسحب رسوم الجامعة؟

قالت:

— فيه مشكلة.

بالطبع كانت هناك مشكلة.

أشارت إلى خانة في الورقة.

— صاحب الحساب حط شرطًا إن الصرف ما يتم إلا بحضوره، أو إذا بلغت المستفيدة واحدًا وعشرين، أو بإثبات وفاته.

— وأنا عمري ثمانطعش وموعد الرسوم بعد عشرة أيام.

— أقدر أرفع طلب استثناء، بس نحتاج نتواصل مع صاحب الحساب أولًا.

قالت أمي:

— ما عندنا وسيلة نتواصل معه.

نظرت المديرة إلى الشاشة.

— غريب.

— وش؟

— رقم جواله متحدّث اليوم.

تجمدت أمي.

قلت:

— متى؟

— الساعة ثلاث وثلاث دقائق الفجر.

نظرت إلى أمي.

كان هذا الوقت قريبًا من اللحظة التي نمت فيها أخيرًا.

سألت المديرة:

— الرقم يخص أحد منكم؟

قرأت آخر أربعة أرقام.

لم أعرفها.

أما أمي، فعرفتها.

رأيت ذلك في وجهها.

قالت بسرعة:

— لا.

كتبت المديرة ملاحظة، ثم قالت:

— بنتواصل معه ونرجع لكم.

خرجنا من البنك.

ما إن أغلق باب السيارة حتى سألتها:

— رقم مين؟

— ما أعرف.

— كذابة.

— دانة، مب كل شيء لازم تعرفينه بنفس اللحظة.

— الرقم حق مين؟

أمسكت يدها، لكن يدها كانت ترتجف.

قالت:

— كان رقم أبوك.

— قبل ثمانطعش سنة؟

هزت رأسها.

— آخر رقم اتصل منه قبل يختفي.

رن هاتفي.

ظهر رقم غير محفوظ.

الأرقام الأربعة الأخيرة كانت نفسها.

نظرت إليّ أمي.

— لا تردين.

استمر الرنين.

قلت:

— يمكن البنك اتصلوا عليه وكلمهم.

— أو يمكن عرف إننا ندور عليه.

توقف الهاتف.

وصلت رسالة صوتية.

أمسكت أمي بيدي.

— لا تشغلينها.

نزعت يدي منها.

— إذا كان أبوي، أبي أسمعه.

فتحت الرسالة.

لم يخرج منها صوت رجل.

خرج صوتي أنا! نعم صوت يشبه صوتي!!

كنت أبكي وأتنفس بسرعة، ثم قلت:

— يمّه، لا ترجعين البيت.

نظرت إلى أمي.

قال صوتي في التسجيل:

— الشريط الثاني مب داخل الصندوق.

توقف لحظة.

ثم همست نسختي المسجلة:

— هو ينتظرنا في غرفة جدتي.

انتهت الرسالة.

لم أكن قد قلت هذه الكلمات من قبل.

وقبل أن نسأل كيف خرجت بصوتي، اتصلت حصة.

ردت أمي بسرعة، ووضعت الهاتف على مكبر الصوت.

— حصة؟

جاء صوتها مرتجفًا:

— يمّه، وينكم؟

— بالبنك. وش فيك؟

— رجعت البيت آخذ شاحني.

قالت أمي:

— اطلعي الحين.

— يمّه...

— حصة، اطلعي من البيت!

بدأت تبكي.

— باب غرفة جدتي مقفل، وفيه أحد داخل يشغل تسجيل.

نظرت أمي إليّ.

سمعنا من هاتف حصة صوت رجل بعيد.

كان يقول:

— دانة؟

ثم جاءت طرقة.

طق.

شهقت حصة.

قالت أمي:

— لا تردين عليه. انزلي عند الجيران.

جاءت الطرقة الثانية.

أقرب إلى هاتفها.

طق.

قالت حصة:

— يمّه... الطقة الثانية من باب غرفتي.

صرخت أمي:

— افتحي الشباك واصرخي للجيران، بس لا تفتحين الباب!

ساد الصمت في الطرف الآخر.

قلت:

— حصة؟

لم تجب.

ثم سمعنا صوتي يخرج من هاتفها:

— حصة، افتحي. أنا دانة.

قلت لأمي:

— هذا مب أنا.

جاء صوتي مرة أخرى، أكثر قربًا:

— نسيت شاحني عندك. افتحي لي.

صرخت حصة:

— انتي عند الباب؟

قلت:

— لا تردين عليه!

لكنها كانت قد ردت.

توقف صوتي.

وجاءت الطرقة الثالثة.

لم نسمعها على باب.

سمعناها من داخل الهاتف نفسه.

طق.

انقطع الاتصال.

لم تنتهِ الحكاية

ما زال في الشريط ما لم يُسمع بعد.

انتهى الجزء الثاني فقط… وستتبعُه أجزاء أخرى من «الشريط الثامن».

تابع الأجزاء القادمة