ماتت جدتي قبل موعد سداد رسوم جامعتي بأحد عشر يومًا.
ظللت أفكر في هذه الجملة طوال أيام العزاء، ثم أكره نفسي كلما خطرت لي.
لم تكن جدتي مبلغًا في حساب، ولم يكن موتها مشكلة إضافية في طريق سفري. كانت المرأة التي ربتني بينما انشغلت أمي بالعمل، والتي حضرت اجتماعات المدرسة بدلًا عنها، وحفظت مواعيد اختباراتي أكثر مني. كانت أول من قرأ رسالة قبولي في الجامعة، وأول من بكى عندما أخبرتها أنني أريد الدراسة في بريطانيا.
قالت يومها وهي تقبل رأسي:
— يرفع الله بالعلمِ أهله، وما الرزق والتوفيق إلا من عند الله.
سألتها وأنا أضحك:
— والفلوس يا جدتي؟ الجامعة تبي رسوم، مب دعوات بس.
ضربتني بخفة على كتفي.
— الدعوة تجيب الفلوس وأصحاب الفلوس بعد. لا تشيلين هم.
لم تخبرني كيف ستفعل ذلك.
وماتت قبل أن أسألها.
بعد خروج آخر امرأة من بيتنا في الليلة الثالثة، أصبح الصمت أثقل من أصوات المعزيات.
بقيت فناجين القهوة على الطاولات، وظلت بعض الكراسي في أماكنها كأن أصحابها سيعودون بعد قليل. كانت أمي نوال تجمع الفناجين بصمت، بينما أخذت أختي حصة التمر والماء إلى المطبخ.
جلستُ في المكان الذي اعتادت جدتي الجلوس فيه.
لم يكن كرسيًا مميزًا؛ مجرد طرف الكنبة القريب من المكيف. ومع ذلك، لم تجلس فيه أي واحدة من المعزيات طوال الأيام الثلاثة. كل من اقتربت منه غيرت اتجاهها دون أن تنتبه، كأن جسد جدتي بقي فيه رغم أننا دفناها.
قالت أمي من خلفي:
— دانة، قومي ارتاحي. من يومين ما نمتي زين.
— مب جايني نوم.
— حتى لو. تمددي شوي.
رفعت هاتفي ونظرت إلى رسالة الجامعة للمرة العاشرة ذلك اليوم.
الموعد الأخير لتأكيد القبول وسداد الدفعة الأولى: 17 أغسطس.
أحد عشر يومًا.
أغلقت الشاشة قبل أن تراها أمي، لكنها كانت قد رأتها.
جلست بجانبي وقالت:
— للحين تفكرين فيها؟
— لازم أرد عليهم.
— ردي واطلبي تأجيل.
— طلبت. قالوا هذا آخر تمديد.
سكتت.
قلت:
— جدتي قالت إنها بتدبرها.
شدت أمي أصابعها حول الفنجان الفارغ الذي تحمله.
— الله يرحمها، كانت تقول كلامًا كثيرًا عشان تفرحك.
نظرت إليها.
— يعني كانت توهمني؟
— لا تقولين كذا. كانت تتمنى تساعدك، بس تعرفين حالنا.
— أنا ما طلبت منكم كامل المبلغ. بس الدفعة الأولى، وبعدها أدبر بعثة أو أشتغل هناك.
قالت بحدة لم أقصد أن أستخرجها منها:
— ومن وين أجيبها يا دانة؟ أبيع البيت اللي هو أساسًا إيجار؟
توقفت.
وضعت أمي الفنجان على الطاولة، ثم مسحت وجهها.
— سامحيني. أنا تعبانة وما أدري وش أقول.
قلت:
— وأنا آسفة.
نهضت، ثم توقفت عندما قالت:
— قدمي هنا. جامعات الرياض مليانه، والدراسة ما توقف على بريطانيا.
لم أجبها.
لم تكن المسألة أن جامعات الرياض أقل. كنت أحلم بالسفر منذ سنوات، وجدتي وحدها كانت تعرف أن الأمر بالنسبة إليّ لم يكن مجرد شهادة. كنت أريد أن أخرج من البيت الذي عشت فيه وأنا أشعر أن نصف قصته مخفي عني.
بيت بلا صور قديمة.
أم لا تتحدث عن زواجها.
وأب لا أعرف عنه إلا الاسم المكتوب في هويتي:
دانة بنت سليمان.
قالوا لي إنه مات قبل ولادتي.
لم أرَ شهادة وفاته.
لم أرَ قبره.
ولم أمتلك له صورة واحدة.
كلما سألت أمي عنه قالت الجملة نفسها:
— الله يرحمه، لا تنبشين شي انتهى.
ومع مرور السنوات، تعلمت ألا أسأل.
لكن جدتي لم تكن تقول «الله يرحمه» أبدًا.
كانت تصمت فقط.
في صباح اليوم التالي، دخلت غرفة جدتي للمرة الأولى بعد وفاتها.
كانت الستائر مغلقة، والهواء راكدًا، ورائحة دهن العود عالقة في فراشها. بقيت علب أدويتها فوق الطاولة، وبجوارها نظارتها وكوب ماء لم يشرب منه أحد.
وقفت عند الباب وقتًا طويلًا.
نادَتني حصة من الصالة:
— تبين أساعدك؟
— لا، بس برتب ملابسها.
— أمي قالت لا ترمين شي.
— ما راح أرمي.
أغلقت الباب.
بدأت بخزانة الملابس. رتبت العبايات في أكياس منفصلة، وجمعت أثواب الصلاة والشيل التي كانت تحبها. وجدت في الأدراج أشياء صغيرة لم أعرف لماذا احتفظت بها: أزرار قديمة، مفتاحًا بلا باب، إيصالات بقالة يعود بعضها إلى أكثر من عشر سنوات، وقصاصات ورقية كتبت عليها أرقام هواتف بلا أسماء.
بعد ساعة، جلست على الأرض وقد غطى الغبار يدي.
حين مددت ذراعي أسفل السرير لإخراج حقيبة قديمة، اصطدمت أصابعي بشيء خشبي.
سحبته.
كان صندوقًا صغيرًا أثقل مما يبدو، مصنوعًا من خشب داكن، وعلى غطائه خدوش كثيرة. لم يكن مقفلًا، لكن شريطًا لاصقًا عريضًا أحاط به من جميع الجهات.
كُتب فوقه بقلم أسود:
إلى دانة وحدها.
عرفت خط جدتي.
نظرت إلى الباب، ثم بدأت أنزع الشريط.
استغرق فتحه دقائق. كانت جدتي قد لفّته مرات كثيرة، كأنها لا تخشى أن يُفتح مصادفة، بل تخشى أن يخرج ما في داخله.
رفعت الغطاء.
وجدت ثمانية أشرطة تسجيل قديمة، مرقمة من واحد إلى ثمانية.
جهاز تسجيل صغير.
صورة مطوية.
وظرفًا أبيض كُتب عليه:
افتحيه قبل الشريط الأول.
أخرجت الرسالة.
لم تتجاوز بضعة أسطر:
يا دانة، إذا وصل الصندوق لك، فمعناه أني ما قدرت أقول لك الحقيقة بنفسي. اسمعي الأشرطة بالترتيب، ولا تثقين بأي صوت تسمعينه خارج التسجيل. إذا سمعتِ طرقًا، استعِيذي بالله واقرئي آية الكرسي ولا تردين. لا تشغلين الشريط الثالث وأنتِ لحالك، ومهما صار لا تسمعين الشريط الثامن قبل ما تعرف أمك أن الصندوق معك.
وفي أسفل الرسالة كتبت:
سامحيني لأني خليتك تصدقين أن أبوك مات.
قرأت السطر الأخير ثلاث مرات.
شعرت بحرارة تصعد إلى وجهي.
فتحت الصورة.
كانت أمي أصغر سنًا، ربما في بداية العشرينات. وقفت في حديقة لا أعرفها، ترتدي فستانًا أخضر وتحمل طفلة رضيعة.
أنا.
بجوارها وقف رجل، لكن وجهه أُزيل من الصورة بقص دائري دقيق. لم يُخدش أو يُطمس؛ كانت هناك فجوة حقيقية مكانه.
قلبت الصورة.
وجدت تاريخًا يعود إلى عام ولادتي، وتحته عبارة:
نوال وسليمان ودانة — أول عيد لنا.
لم يكن أبي قد مات قبل ولادتي.
حملني.
وعاش معنا مدة تكفي لالتقاط صورة في أول عيد.
أعدت تفتيش الصندوق. أسفل الأشرطة وجدت ورقة مصرفية قديمة، مختومة باسم بنك معروف. لم أفهم جميع تفاصيلها، لكن اسمي ظهر واضحًا بجوار عبارة:
وديعة تعليمية.
كان المبلغ أكبر من رسوم سنتي الجامعية كاملة.
أما اسم صاحب الحساب فكان:
سليمان عبدالرحمن...
اختفى باقي الاسم تحت بقعة سوداء تشبه أثر حرق.
سمعت حركة عند الباب.
أعدت الأوراق إلى الصندوق بسرعة.
دخلت أمي دون أن تطرق.
— وش تسوين؟
— أرتب.
توقفت عيناها عند الصندوق.
سقطت المنشفة التي كانت تحملها.
لم تسألني من أين وجدته.
قالت مباشرة:
— سكريه.
— يمه...
— قلت سكريه.
اقتربت وأمسكت الغطاء، لكنني منعته بيدي.
— جدتي كاتبته باسمي.
— جدتك كانت مريضة آخر أيامها وما كانت تعرف وش تقول.
— كانت تعرف تخبي حسابًا فيه رسوم جامعتي؟
نظرت إلى الورقة.
تغير وجهها.
— من وين طلعتيها؟
— كانت داخل الصندوق. مين سليمان؟
— أبوك.
— أبوي اللي قلتي إنه مات قبل أولد؟
أغلقت أمي عينيها.
— الحين مب وقته.
— متى وقته؟ بعد ما تموتين انتي بعد وتتركين لي صندوقًا ثاني؟
صفعتني.
لم تكن صفعة قوية، لكنها أسكتتنا معًا.
وضعت يدها على فمها فورًا.
— دانة، أنا...
ابتعدت عنها.
بدأت تبكي.
— والله إني كنت أحميك.
قلت:
— من مين؟ من أب ميت؟
نظرت إلى الأشرطة.
لم يكن الخوف في عينيها خوف أم انكشف كذبها.
كان خوف شخص رأى شيئًا يعود بعد أن ظن أنه دفنه.
قالت:
— عطيني الصندوق.
— لا.
— دانة، تكفين.
— أبوي حي؟
سكتت.
صرخت:
— أبوي حي؟
قالت بصوت خافت:
— ما أدري.
— كيف ما تدرين؟
جلست على طرف السرير، وأمسكت رأسها.
— لأني كل يوم أصحى وأنا أعرف عنه أقل من اليوم اللي قبله.
لم أفهم.
رفعت وجهها إليّ.
— أبوك ما مات يا دانة.
توقفت.
ثم قالت الجملة التي غيرت كل ما أعرفه عن حياتي:
— الناس بس نسوه.
رفضت أمي أن تشرح أكثر.
أخذت الصورة والورقة المصرفية، وتركت لي الصندوق بعدما أقسمت أنني لن أشغل أي شريط حتى نجلس معًا في المساء.
انتظرت حتى دخلت غرفتها.
ثم أغلقت باب غرفة جدتي، وأخرجت الشريط الأول.
كنت غاضبة أكثر من كوني خائفة. ثمانية عشر عامًا من الكذب كانت كافية لتجعل تحذيرات جدتي تبدو لي محاولة جديدة للتحكم في الحقيقة.
وضعت الشريط داخل الجهاز.
ضغطت زر التشغيل.
صدر تشويش خافت، ثم سمعت حركة كرسي وصوت جدتي وهي تسعل.
— بسم الله الرحمن الرحيم. دانة، إذا تسمعين كلامي، فمعناه إني رحت لربي قبل ما أقدر أقول لك كل شي.
توقفت قليلًا، ثم تابعت:
— قبل تسمعين، استعِيذي بالله من الشيطان، ولا تخافين من اللي بقوله. ما يضر ولا ينفع إلا الله، واللي صار لنا كان بسبب ناس ظلموا وتعدوا حدود ربهم.
تعوذت بالله كما طلبت.
جاء صوت رجل بعيد في التسجيل:
— منيرة؟
توقف صوت جدتي.
سمعتها تتنفس.
ثم قالت للرجل:
— أنت مين؟
لم يجب.
عاد صوتها إليّ:
— هذا التسجيل الثالث اللي أسويه، وكل مرة أسمع صوته قبل ما أقول اسمه. إذا وصل لك هالشريط، يمكن هالمره قدرت أكمله.
اقتربت من الجهاز.
قالت جدتي:
— أبوك اسمه سليمان. كان موجودًا يوم ولدتي، وشالك بيده، وأذّن في أذنك. أمك ما كذبت عليك لأنها تكرهه. كذبت لأنها خافت إنك إذا عرفتيه... يعرفك الشي اللي أخذه.
هبطت برودة مفاجئة على الغرفة.
تحركت الستارة رغم أن النافذة مغلقة.
واصلت جدتي:
— أول مرة نسيناه كانت بعد ما رحنا المزرعة. صحينا الصبح، وكل الصور اللي فيها وجهه صارت ناقصة. إخوانه قالوا ما عندهم أخ اسمه سليمان، وأصحابه ما عرفوا صوته. حتى أمك...
انقطع التسجيل لحظات.
عاد بصوت تنفس ثقيل.
ثم همست جدتي:
— حتى أمك نسيته ثلاثة أيام.
نظرت إلى باب الغرفة.
شعرت بأن أحدًا يقف خلفه.
قالت جدتي:
— اللي سووا سحر التفريق كانوا يبون يبعدونه عن نوال. لكن الشي اللي ربطوه بالسحر ما فرّق بينهم بس. صار يمحيه من كل شخص عرفه.
عاد صوت الرجل داخل التسجيل، أوضح هذه المرة:
— منيرة، افتحي الباب.
قالت جدتي:
— لا تردين على صوته يا دانة. حتى لو ناداك باسمك.
جاءت الطرقة الأولى على باب غرفتها.
طق.
توقف الشريط.
رفعت رأسي.
انتظرت.
مرّت ثوانٍ، ثم جاء الصوت نفسه من باب الغرفة التي أجلس فيها:
طق.
طرقة واحدة.
قلت دون تفكير:
— مين؟
لم يجب أحد.
نهضت، وفتحت الباب.
كان الممر فارغًا.
ناديت:
— يمّه؟
جاء صوت أمي من غرفتها:
— نعم؟
— طقيتي الباب؟
— لا.
عدت إلى غرفة جدتي.
كان جهاز التسجيل يعمل، رغم أن الشريط انتهى.
دارت البكره ببطء، وخرج منه صوت احتكاك خافت.
جلست أمامه.
قلت لنفسي إن الطرقة جاءت من المكيف أو الخزانة أو تمدد الخشب. أي شيء يمكن تفسيره إذا لم نترك للخوف فرصة.
مددت يدي لإيقاف الجهاز.
وقبل أن ألمسه، عاد صوت جدتي:
— إذا جاك الطرق الأول، استعِيذي بالله.
كان صوتها أسرع هذه المرة، وكأنها تعرف أن وقتها ينفد.
— وإذا جاك الثاني، لا تردين.
نظرت إلى الباب المفتوح.
جاءت الطرقة الثانية.
لكنها لم تأتِ من الباب.
جاءت من داخل خزانة جدتي.
طق.
تراجعت حتى اصطدم ظهري بالسرير.
بدأ مقبض الخزانة يدور ببطء.
قالت جدتي من التسجيل:
— أما الثالثة...
انفتح باب الخزانة بضعة سنتيمترات.
لم أرَ داخلها سوى ظلام كثيف.
توقف صوت جدتي.
وحل مكانه صوت رجل.
صوت هادئ، متعب، يبكي وهو ينطق اسمي:
— دانة؟
لم أجب.
قال:
— أنا أبوك.
تحرك باب الخزانة أكثر.
رفعت يدي إلى فمي حتى لا يخرج صوتي.
همس الرجل:
— لا تخلين نوال تسمع الشريط الثاني.
ثم جاءت الطرقة الثالثة.
لم تأتِ من الخزانة.
جاءت من أسفل السرير الذي أجلس فوقه.
طق.
وتوقف كل شيء.
