محمد الشبري كاتب سعوديمقالات الرأي
غلاف مقالة The Odyssey أبهرني… وهذا بالضبط ما أقلقني

مقالة رأي

The Odyssey أبهرني… وهذا بالضبط ما أقلقني

محمد الشبري · أغسطس 2026 · نحو 9 دقائق قراءة

هل أبهرنا The Odyssey حتى نسينا أن نسأل ماذا نشاهد؟

خرجنا من The Odyssey ثلاثة.

أنا وصديقان.

وكالعادة بعد أي فيلم يستحق النقاش، لم ننتظر طويلًا حتى بدأ السؤال المعتاد:

«وش رايكم؟»

تحدثنا عن المشاهد، عن ضخامة الإنتاج، عن بعض اللحظات التي صُنعت فعلًا لتُشاهد في السينما، وعن أشياء أعجبت واحدًا منا أكثر من الآخر.

لم يكن بيننا ذلك الاختلاف الكبير.

الفيلم، على الأقل من الناحية الفنية، يعرف جيدًا كيف يبهر من أمامه.

وأنا كنت واحدًا منهم.

لكن وسط الحديث، كان هناك شيء آخر يشغلني.

لم أكن قد رتبته في رأسي بعد.

قلت لهما، بمعنى الكلام:

«بس ما حسيتوا إن فيه أشياء من ناحية العقيدة تستحق نتوقف عندها؟»

نظر إليّ أحدهما وكأن الإجابة بديهية:

«يا محمد… هذي قصة خيالية.»

وأضاف الآخر:

«وفوق هذا قصة قبل الإسلام بآلاف السنين، وش متوقع تشوف؟»

للوهلة الأولى، بدت الإجابتان منطقيتين جدًا.

بل إنني أتفق معهما في جزء كبير منهما.

أنا لم أدخل The Odyssey وأنا أتوقع أن أشاهد قصة تتوافق مع التصور الإسلامي.

وأعرف أنني أمام ملحمة يونانية قديمة، بعالمها وأساطيرها وآلهتها.

وأعرف أيضًا أنني أشاهد خيالًا.

لكن الغريب أن الإجابتين لم تنهيا السؤال عندي.

بل بدأ من عندهما.

نعم… ماذا كنت أتوقع؟

فكرت في جملة صاحبي:

«وش متوقع تشوف؟»

والحقيقة؟

كنت أتوقع تقريبًا ما شاهدته.

من يعرف أصل الأوديسة لن يتفاجأ بوجود آلهة متعددة، أو قوى خارقة، أو عالم للموتى، أو معتقدات تنتمي إلى الحضارة التي خرجت منها القصة.

وسيكون غريبًا فعلًا أن أحاكم نصًا سابقًا للإسلام بقرون لأن شخصياته لم تتصرف كمسلمين.

أنا لا ألوم هوميروس لأنه لم يكتب ملحمة إسلامية.

ولا أطالب السينما الحديثة بأن تمحو الميثولوجيا اليونانية من قصة قائمة أصلًا عليها.

بل لو فعلت ذلك، ربما لن تبقى The Odyssey أصلًا.

وهنا أدركت أنني ربما لم أصغ سؤالي لهما جيدًا.

لأن سؤالي لم يكن:

لماذا توجد هذه الأشياء في الفيلم؟

بل:

ماذا يحدث لنا نحن عندما نشاهدها؟

هناك فرق بين أن أسأل عن سبب وجود الفكرة داخل عمل عمره آلاف السنين، وبين أن أسأل عن طريقة استقبالي لها اليوم.

الأول يجيب عنه التاريخ.

أما الثاني…

فيخصني أنا.

«لكنها خيال»

رجعنا إلى الاعتراض الأول.

وهو أيضًا صحيح.

الفيلم خيال.

ظهور إله وثني داخل قصة لا يعني أن الفيلم أجبرني على الإيمان به.

ومشاهدة شخصية تتقرب إلى آلهة متعددة لا تجعل المشاهد عابدًا لها.

ومن يقول إن تصوير الفيلم عظيم، لا يعني أنه يمدح الوثنية.

ومن أحب The Odyssey فنيًا لا يعني أنه رضي بكل تصور موجود داخله.

بل سأقولها بوضوح:

أنا نفسي استمتعت بالفيلم.

إذن المشكلة ليست هنا.

لكنني سألت نفسي:

منذ متى أصبحت كلمة «خيال» كافية لإنهاء النقاش حول الأفكار؟

نحن نشاهد فيلمًا خياليًا ثم نناقش رؤيته للحب.

ونناقش موقفه من الحرب.

والأسرة.

والمرأة.

والسلطة.

والخير والشر.

وقد نخرج من عمل خيالي ونقول:

«غيّر نظرتي.»
«خلاني أفكر.»
«وصل فكرة عظيمة.»

نحن إذن نعترف بأن الخيال يستطيع حمل الأفكار.

لكن الغريب أننا عندما نصل إلى فكرة دينية أو عقدية، قد نستخدم التصنيف نفسه لإغلاق النقاش:

«مجرد خيال.»

كيف أصبح الفن مؤثرًا عندما يحمل فكرة تعجبنا…

ثم محايدًا تمامًا عندما يحمل فكرة نختلف معها؟

«طيب أفلام كثيرة فيها سحر وشرك»

أثناء النقاش ظهر اعتراض آخر:

هذه ليست أول مرة نشاهد شيئًا كهذا.

هناك عشرات، بل مئات الأعمال التي تحتوي على سحر وأساطير وآلهة ومعتقدات وثنية.

فلماذا The Odyssey؟

هذا السؤال جعلني أفكر فعلًا.

لأن فيه شيئًا صحيحًا.

ربما شاهدنا قبل هذا الفيلم أعمالًا فيها ما هو أشد ولم نتوقف.

وربما كتبت عن The Odyssey فقط لأنه الفيلم الذي جعل السؤال يظهر أمامي بوضوح.

لكن هل وجود الشيء في مئة فيلم سابق يجعل مناقشته في الفيلم رقم مئة وواحد ازدواجية؟

لو ناقشت العنف في فيلم، فلست مطالبًا بأن أكتب أولًا عن كل فيلم عنيف في تاريخ السينما.

ولو توقفت عند فكرة أخلاقية في رواية، فأنا لا أدعي أنها أول رواية قالتها.

The Odyssey ليس القضية كلها.

هو فقط المكان الذي توقفت عنده وسألت.

ثم خطر لي شيء آخر.

ماذا لو كانت جملة:

«شفنا هذا كثير من قبل»

ليست ردًا على السؤال…

بل جزءًا منه؟

ماذا لو كانت كثرة ما شاهدناه هي التي جعلتنا أصلًا لا نراه؟

ثم جاء الاعتراض الذي جعلني أتوقف

قال أحدهما شيئًا بمعنى:

«حتى القرآن ذكر شركيات الأقوام السابقة وقصصهم.»

وهنا لم أرد بسرعة.

لأن الاعتراض، للوهلة الأولى، قوي.

وهو صحيح في أصله.

القرآن ذكر الشرك.

وذكر الأصنام.

ونقل أقوال المشركين.

وذكر من عبد العجل.

ومن نسب لله ولدًا.

ومن جعل معه آلهة أخرى.

إذن الإسلام لم يبنِ حماية عقيدة المسلم على ألا يسمع أبدًا بمعتقد يخالفه.

لكن بعد التفكير، شعرت أن هناك فرقًا كبيرًا أغفلناه.

السؤال ليس:

هل ذكر القرآن الشرك؟

بل:

كيف ذكره؟

حين قال قوم موسى:

﴿اجْعَل لَّنَا إِلَٰهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾

لم ينقل القرآن الجملة ثم يتركها معلقة.

جاء الرد:

﴿إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾.

وحين عبد قوم موسى العجل، لم يصبح العجل داخل القصة القرآنية إلهًا حقيقيًا لمجرد أن الناس عبدوه، بل جاء تفكيك الادعاء نفسه:

﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا﴾.

وحين نُسب لله الولد، نقل القرآن القول، ثم قال:

﴿لَّقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا﴾.

وحين يتعلق الأمر بأصل تعدد الآلهة:

﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾.

نعم.

القرآن ذكر الشرك.

لكنه لم يكن محايدًا تجاه الشرك الذي ذكره.

وهنا الفرق.

هناك فرق بين أن تقول:

كان قوم يعتقدون أن هذا إله، وكان اعتقادهم باطلًا.

وبين أن تدخل إلى عالم قصصي تكون فيه الآلهة المتعددة موجودة فعلًا داخل منطق الحكاية؛ تغضب، وتنتقم، وتتدخل في الطبيعة ومصائر البشر.

ولا يعني ذلك أن مشاهدة النوع الثاني تجعل الإنسان مؤمنًا به.

ولا أن كل فيلم يعرض الوثنية يدعو إليها.

لكن الاستشهاد بالقرآن للقول إن طريقة عرض الفكرة لا أهمية لها بدا لي، بعد التفكير، استشهادًا يقود إلى نتيجة مختلفة تمامًا.

القرآن لم يعلمنا ألا نعرف الباطل.

بل عرضه، ونقل حجج أهله، وقص أخبارهم…

وأبقى موقفنا منه واضحًا.

ماذا لو حذفنا كلمة «أسطورة»؟

في مرحلة ما من النقاش، بدأت أفكر في تجربة بسيطة.

ماذا لو نزعت عن The Odyssey أسماءها؟

لا تقل:

زيوس.

ولا بوسيدون.

ولا أثينا.

ولا تقل:

«ميثولوجيا يونانية».

ولا «ملحمة تاريخية».

فقط صف الفكرة:

هناك آلهة متعددة.

قوى تتدخل في حياة البشر.

يُنسب إليها النفع والضر.

يغضب بعضها فيصيب الإنسان البلاء.

ويرتبط مصير البشر بتدخل هذه القوى.

وتوجد قرابين وطقوس مرتبطة بها.

ثم ضع هذا الوصف أمام مسلم واسأله:

ما اسم هذا التصور في عقيدتك؟

هنا تختفي قليلًا المسافة التي تصنعها الأسماء.

لأن «الميثولوجيا اليونانية» تبدو لنا مصطلحًا ثقافيًا وتاريخيًا.

لكن تغيير الاسم لا يغير حقيقة الفكرة.

وبالنسبة لي كمسلم، القضية هنا ليست اختلافًا بسيطًا بين ثقافتين.

لأن التوحيد ليس تفصيلًا في الإسلام.

إنه البداية.

﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ۝ اللَّهُ الصَّمَدُ﴾.

وفي الدعاء:

﴿فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾.

وفي الغيب:

﴿قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾.

وهنا بدأت أفهم لماذا استوقفني الفيلم رغم أنني أعرف أنه خيال.

أنا لا أخشى أن يقنعني الفيلم ببوسيدون

قلت لصديقي شيئًا قريبًا من هذا أثناء النقاش:

«أنا مب خايف أطلع من السينما وأصدق بوسيدون.»

ضحكنا.

لأن الفكرة فعلًا تبدو سخيفة عندما توضع بهذه الطريقة.

ولا أعتقد أصلًا أن هذا هو خطر الفن.

المسلم الذي يعرف عقيدته لن يشاهد The Odyssey ثم يخرج باحثًا عن معبد يوناني.

هذه ليست فكرتي.

المشكلة التي بدأت أراها كانت أهدأ بكثير.

وأصعب في القياس.

الاعتياد.

هناك فرق بين أن تقتنع بفكرة…

وبين أن تعتاد رؤيتها.

في البداية تستوقفك.

ثم تتكرر.

ثم تعرفها.

ثم تصبح جزءًا مألوفًا من عالم الأفلام.

لا تؤمن بها.

لا تدافع عنها.

لا تعتقد أنها صحيحة.

لكن في مرحلة ما…

قد تتوقف حتى عن ملاحظتها.

وهذا ما جعلني أفكر.

ربما الإنسان لا يحتاج أن يقتنع بالفكرة حتى تتغير علاقته بها.

أحيانًا يكفي أن تفقد غرابتها.

والمفارقة أن الفيلم كان جميلًا

ربما لو كان The Odyssey فيلمًا سيئًا لما كتبت عنه أصلًا.

لكنني خرجت منه منبهرًا بأشياء كثيرة.

وهنا ظهرت المفارقة التي وجدتها أكثر إثارة من الفيلم نفسه:

ماذا يحدث للفكرة عندما يحملها الجمال؟

نحن جيدون في رفض الأشياء عندما تأتي بصورة منفرة.

لكن ماذا عندما تأتي داخل مشهد مذهل؟

صورة عظيمة.

موسيقى.

أداء.

رهبة.

عالم كامل استطاع أن يسحبك إليه لساعات.

الجمال لا يجعل الفكرة صحيحة.

لكن ربما يجعلنا أقل انتباهًا إلى أننا نتلقاها.

ولا أتهم صناع الفيلم بأنهم يريدون دعوة الناس إلى الوثنية.

هذا ليس ما أقوله.

أنا أتحدث عني أنا.

عن المشاهد.

عن الطريقة التي يعمل بها الفن فينا.

فنحن لا نستقبل الأفكار بعقولنا فقط.

نستقبلها أيضًا ونحن متعاطفون.

وخائفون.

ومتحمسون.

ومنبهرون.

لهذا لم أعد أسأل: لماذا عرض الفيلم هذا؟

لأنني أعرف الإجابة.

إنها The Odyssey.

ملحمة يونانية قديمة.

ماذا كنت أتوقع؟

هذا عالمها.

ولم أعد أسأل أيضًا:

لماذا لم يتوقف أصدقائي عند الأشياء نفسها التي توقفت عندها؟

ربما لأننا دخلنا جميعًا لنشاهد فيلمًا، لا لنحضر محاضرة في مقارنة الأديان.

وهذا طبيعي.

السؤال الذي بقي عندي أصبح شخصيًا أكثر:

هل أستطيع أن أدخل إلى عالم يخالفني، وأستمتع به، ثم أخرج منه وما زلت أعرف أين أقف؟

أعتقد أن الإجابة نعم.

بل ربما هذه هي العلاقة الناضجة مع الفن.

لا أن تخاف من كل قصة تخالفك.

ولا أن ترفض كل عمل يحتوي على فكرة لا تؤمن بها.

وفي الوقت نفسه…

ألا تجعل جمال العمل يطلب منك أن تترك ميزانك عند الباب.

أن تستطيع قول:

هذا المشهد عظيم.

و:

هذه الفكرة باطلة عندي.

دون أن ترى تناقضًا بين الجملتين.

عندما افترقنا

لا أتذكر من أنهى النقاش تلك الليلة.

ولا أعتقد أن أحدًا منا أقنع الآخرين بكل شيء.

وربما هذا أجمل ما في الأمر.

دخلنا السينما ثلاثة لنشاهد فيلمًا.

وخرجنا منها نتحدث عن شيء أكبر منه.

أحدنا يرى أنها قصة خيالية ولا ينبغي تحميلها أكثر مما تحتمل.

والآخر يرى أن وجود هذه الأشياء بديهي في ملحمة كُتبت في عالم وثني قديم.

وأنا وجدت نفسي بينهما أقول:

صحيح… وصحيح.

لكن شيئًا ما بقي ناقصًا عندي.

وفي طريق العودة فهمته.

أنا لم أكن غاضبًا لأن The Odyssey احتوت على الوثنية.

ولم أكن متفاجئًا.

ولم أعتقد أن من استمتع بها قد رضي بمعتقداتها.

ولم أندم أصلًا أنني شاهدتها.

كنت أفكر في شيء واحد فقط:

متى يصبح المألوف غير مرئي؟

ربما لهذا السبب بقي اعتراض صاحبي عن القرآن في رأسي أكثر من غيره.

لأنه أعادني إلى فكرة مختلفة تمامًا.

القرآن لم يحمِ المسلم بأن يمنعه من معرفة الباطل.

ذكر الشرك.

ونقل أقوال أهله.

وحكى قصصهم.

لكنه فعل شيئًا أهم:

لم يسمح للباطل، مهما تكرر ذكره، أن يفقد اسمه.

ظل الباطل باطلًا.

والشرك شركًا.

والتوحيد هو الميزان.

وهنا فقط عرفت ما كنت أحاول قوله لصديقيَّ منذ بداية النقاش.

ربما الخطر ليس أن يجعلنا الفن نؤمن بفكرة باطلة.

هذا احتمال بعيد جدًا في حالة كهذه.

ربما السؤال الأكثر واقعية هو:

هل يستطيع أن يجعلنا نعتادها حتى لا نعود نراها؟

دخلت The Odyssey وأنا أعرف أنني سأشاهد أسطورة.

وخرجت منه معجبًا بكثير مما شاهدت.

لكنني كنت سعيدًا أن حديثنا نحن الثلاثة لم ينتهِ عند:

«فيلم عظيم.»

لأن بعض الأفلام تنتهي عندما تظهر أسماء صناعها على الشاشة.

وبعضها يبدأ بعدها.

وبالنسبة لي، بدأ The Odyssey الحقيقي عندما خرجنا من القاعة…

وبدأنا نسأل: ماذا شاهدنا؟

مساحة للنقاش

وأنت، كيف رأيت الأمر؟

هل ترى أن كون العمل خياليًا كافٍ للفصل بين الإعجاب الفني وما يحمله من أفكار، أم أن بعض المضامين تستحق أن نتوقف عندها حتى داخل الخيال؟