بعد أن انتهيت من كتابة مقالتي السابقة عن النفس، ظننت أنني وصلت إلى فكرة واضحة.
أن النفس ليست عدوًا، بل شيء نغذيه كل يوم.
لكن بقي سؤال لم أستطع تجاوزه.
إذا كانت النفس تتغير بما نغذيها به...
فهل تتغير أفعالنا فقط؟
أم أن نظرتنا إلى العالم تتغير معها أيضًا؟
تخيل شخصين يقفان أمام الموقف نفسه.
كلمة واحدة.
لم تتغير.
لكن الأول شعر بالإهانة.
والثاني لم ير فيها إلا نصيحة.
من الذي اختلف؟
الكلمة؟
أم الإنسان؟
ورأيت يومًا شخصًا يمدح رجلًا لأنه صريح.
وفي المجلس نفسه...
كان آخر يذمه لأنه وقح.
الرجل لم يتغير.
الكلمات التي قالها لم تتغير.
لكن التفسير...
كان مختلفًا.
وهنا بدأ سؤال غريب يلح علي.
هل نحن نرى الحقيقة؟
أم أننا نرى تفسيرنا للحقيقة؟
لو نظرت إلى طفل...
وسألت عشرة أشخاص عنه.
قد يقول أحدهم:
"سيصبح قائدًا."
ويقول آخر:
"سيصبح عنيدًا."
ويقول ثالث:
"يحتاج إلى التربية."
الطفل واحد.
لكن كل واحد منهم رأى شيئًا مختلفًا.
فهل كانوا يصفون الطفل...
أم كانوا يصفون أنفسهم؟
ثم تذكرت شيئًا.
المرآة لا تغيّر وجهك.
بل تكشفه.
لكن...
ماذا لو كانت النفس ليست مرآة؟
ماذا لو كانت عدسة؟
العدسة لا تخلق الواقع.
لكنها تغيّر الطريقة التي تراه بها.
قد تجعل القريب بعيدًا.
والصغير كبيرًا.
والواضح مشوشًا.
وربما النفس تفعل الشيء نفسه.
ولهذا بدأت أتساءل...
لماذا يرى المتشائم في كل فرصة خطرًا؟
ويرى المتفائل في الخطر فرصة؟
هل الواقع مختلف؟
أم أن الداخل هو الذي اختلف؟
ثم توقفت عند آية طالما مررت بها سريعًا.
قال يعقوب عليه السلام لأبنائه:
﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا﴾
لم يقل إن الواقع تغيّر.
بل أشار إلى أن النفس قد تُحسن للإنسان تفسيرًا ليس صحيحًا.
وهنا شعرت أن الآية لا تتحدث عن حدث وقع قبل آلاف السنين فقط...
بل عن شيء يحدث داخل كل واحد منا كل يوم.
كم مرة أسأنا الظن...
ثم اكتشفنا أننا كنا مخطئين؟
كم مرة اعتقدنا أن أحدًا يكرهنا...
ثم تبين أنه كان مشغولًا فقط؟
كم مرة غضبنا لأننا لم نرَ الواقع...
بل رأينا خوفنا، أو كبرياءنا، أو تجاربنا القديمة منعكسة عليه؟
وربما لهذا السبب...
لا تكون معركة الإنسان الكبرى مع العالم.
بل مع نفسه.
لأن النفس قد لا تمنعك من رؤية الحقيقة...
لكنها قد تغيّر معناها قبل أن تصل إليك.
وهنا خطرت لي فكرة أربكتني.
إذا كانت النفس تؤثر في تفسيرنا للعالم...
فهل يمكن لإنسان أن يطلب الحقيقة...
ثم يعجز عن رؤيتها...
ليس لأنه لا يريدها...
بل لأن نفسه أعادت تفسيرها؟
ربما لهذا كان الإسلام يهتم بتزكية النفس قبل كثرة الجدل.
لأن النفس إذا فسدت...
قد تقرأ الدليل نفسه الذي يقرؤه غيرها، ثم تخرج بنتيجة مختلفة.
وليس لأن الدليل تغيّر...
بل لأن العدسة تغيّرت.
وبعد كل هذا التأمل...
لم يعد السؤال الذي يشغلني:
هل أفهم العالم جيدًا؟
بل أصبح:
هل النفس التي أنظر بها إلى العالم... صافية أصلًا؟
لأن الإنسان لا يرى الواقع كما هو دائمًا...
بل يراه بعد أن يمر عبر نفسه.
تمر الحقيقة أولًا عبر خوفه.
وعبر رغباته.
وعبر تجاربه.
وعبر كبريائه.
وعبر آماله.
ثم يظن أنه رأى الحقيقة كما هي.
وربما لهذا لم يكن اهتمام الإسلام بتزكية النفس أمرًا تعبديًا مجردًا، بل ضرورة لفهم الحياة نفسها.
فكلما زكت النفس، اقتربت من رؤية الأشياء كما هي.
وكلما أظلمت، لم تعد تشوه أفعال الإنسان فقط...
بل بدأت تشوه نظرته إلى العالم.
ولهذا لم أعد أعتقد أن تزكية النفس تغيّر الإنسان وحده...
بل تغيّر العالم الذي يراه.
ثم بقي سؤال لم أستطع تجاوزه...
إذا كانت النفس هي العدسة التي أرى بها العالم... فمن يزكي العدسة التي أرى بها الحقيقة؟
