محمد الشبريجميع المقالات

رحلة بناء الإنسان · المحطة ٠٣

من الذي يقرّر... حين يصمت الجميع؟

قراءة نحو 4 دقائقمحمد الشبري
المقالة ٠٣ من ٠٥

بعد أن كتبت عن النفس، ثم عن أثرها في رؤيتنا للعالم، ظننت أنني بدأت أفهم الإنسان.

لكن بقي سؤال لم أستطع تجاوزه.

في حياتنا اليومية، نواجه عشرات المواقف التي لا نتردد فيها.

لماذا؟

لأن الدين حسمها.

نعرف ما يجب أن نفعل، وما يجب أن يُترك.

وفي مواقف أخرى، لا يحكمنا نص شرعي مباشر، بل تقودنا الأعراف والعادات، فنلتزم بها بدرجات متفاوتة.

لكن الحياة لا تسير دائمًا بهذه البساطة.

هناك مواقف لا يقف فيها أحد ليخبرك ماذا تفعل.

لا يوجد نص خاص بهذه الجزئية.

ولا عرف اجتماعي ينتظر منك موقفًا معينًا.

ولا عين تراقبك.

وهنا بدأ سؤال لم أستطع تجاوزه...

من الذي يتخذ القرار؟

في البداية، ظننت أن الإجابة هي العقل.

لكن العقل يعرف كثيرًا من الحقائق التي لا يعمل بها.

ثم قلت: الضمير.

لكن الضمير يضعف ويقوى.

ثم قلت: النفس.

لكن النفس نفسها تتغير، كما ناقشت في مقالتي السابقة.

فشعرت أنني ما زلت أبحث في المكان الخطأ.

ثم خطر لي شيء.

ربما نحن نعطي لحظة الاختيار أكبر من حجمها.

نقول:

"لقد اتخذ القرار."

لكن...

هل يولد القرار فعلًا في تلك اللحظة؟

تخيل رجلًا وجد محفظة مليئة بالمال.

لا كاميرات.

لا شهود.

لا خوف من عقوبة.

أعادها.

ورجلًا آخر أخذها.

نقول:

الأول اتخذ القرار الصحيح.

لكن...

هل اتخذه في تلك اللحظة؟

أم أن تلك اللحظة لم تكن إلا إعلانًا عن إنسان ظل يُبنى بصمت سنوات طويلة؟

ربما لم يبدأ الصدق يوم أعاد المحفظة.

بل بدأ يوم رفض أول كذبة ظنها الناس صغيرة.

وربما لم تبدأ الخيانة يوم سرق المال.

بل بدأت يوم أقنع نفسه أن "هذه المرة لا بأس بها."

وهنا شعرت أنني كنت أسأل السؤال الخطأ.

لسنوات ونحن نسأل:

كيف أتخذ القرار الصحيح؟

لكن ربما السؤال الحقيقي هو:

كيف أبني الإنسان الذي لن يحتار عندما يأتي القرار؟

ثم بدأت ألاحظ شيئًا لم أكن أنتبه إليه من قبل.

الإسلام لا يبدأ ببناء الإنسان عند المواقف الكبيرة...

بل قبلها بوقت طويل.

يبنيه في التفاصيل التي قد يظنها الناس صغيرة.

في الإخلاص.

وفي الصدق.

وفي غض البصر.

وفي أداء الأمانة.

وفي ترك الرياء.

بل حتى في الذنوب التي لا يعلم بها إلا الله.

في البداية، ظننت أن خطورة ذنوب الخلوات تكمن في أنها معصية لا يراها الناس.

ثم بدأت أراها من زاوية أخرى.

ربما ليست خطورتها في أنها خفية...

بل في أنها تُشكّل الإنسان الخفي.

ذلك الإنسان الذي لا يعرفه الناس...

لكنه سيقف يومًا أمام كل قرار.

وهنا فهمت حديثًا كنت أسمعه كثيرًا، لكنني لم أتأمله بهذه الصورة.

حين سأل جبريل عليه السلام النبي ﷺ عن الإحسان، قال:

»أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك.«

لفت انتباهي أن الحديث لم يذكر موقفًا معينًا.

ولم يعطِ قائمة من الأوامر.

بل بنى حالةً داخلية.

وكأن الإسلام لا يريد أن يرافقك في كل موقف ليخبرك ماذا تفعل...

بل يريد أن يربي فيك إنسانًا يعرف ماذا يفعل، حتى عندما لا يراه أحد.

وربما لهذا قال الله تعالى:

﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾

توقفت عند قوله:

"ما بأنفسهم."

لم يقل: حتى يغيروا أفعالهم.

ولم يقل: حتى يغيروا ظروفهم.

بل أعادنا مرة أخرى إلى الداخل.

إلى المكان الذي تتشكل فيه القرارات قبل أن تظهر.

ثم أدركت شيئًا أربكني.

نحن نخاف من الاختبارات الكبيرة.

لكن ربما لا ينبغي أن نخاف منها.

لأن الاختبار الكبير لا يصنع الإنسان فجأة.

بل يكشف الإنسان الذي كانت تصنعه التفاصيل الصغيرة كل يوم.

ولهذا لا أخاف من القرار الكبير...

بقدر خوفي من أول تنازل صغير.

ولا أخاف من أول اختبار...

بقدر خوفي من أول عادة.

لأن الإنسان لا ينهار في لحظة.

ولا يثبت في لحظة.

بل يصل إلى تلك اللحظة، وهو يحمل أثر كل فعلٍ سبقها.

وبعد كل هذا التأمل...

لم يعد السؤال الذي يشغلني:

ماذا سأفعل عندما يأتي الاختبار؟

بل أصبح:

من هو الإنسان الذي أبنيه اليوم... ليقف غدًا في ذلك الاختبار؟

من سأكون... عندما لا يبقى بيني وبين قراري إلا الله؟

لأن الإنسان لا يعرف حقيقة نفسه عندما يقف أمام القرار...

بل عندما يكون وحده، ولا يراه إلا الله.

وهنا بقي سؤال لم أستطع تجاوزه...

إذا كانت قراراتنا لا تولد في لحظة الاختيار... فهل الاختبارات تكشف الإنسان... أم تكشف ما ظل يبنيه في نفسه بصمت؟

محمد الشبري© ٢٠٢٦ — جميع الحقوق محفوظة. نُشر هذا المقال للقراءة عبر الموقع الرسمي.