لفت انتباهي أن كثيرًا من مدربي تطوير الذات يرددون عبارة:
"تحرر من نفسك."
توقفت عندها طويلًا.
إذا كنت أنا من سيتحرر... فمن هي "نفسي" التي سأتحرر منها؟
هل يوجد داخل الإنسان شخصان؟ أحدهما سجين والآخر يريد الحرية؟
كلما فكرت في العبارة، شعرت أنها لا تصف الإنسان بدقة، خاصة إذا نظرنا إليها من المنظور الإسلامي.
بدأت أتساءل:
هل النفس هي التي تدفع الإنسان للخير والشر؟
أم أنها مجرد ردة فعل لما يفعله؟
في البداية ظننت أن النفس تشبه المرآة؛ إذا فعل الإنسان خيرًا شعر بالطمأنينة، وإذا فعل شرًا لامته نفسه.
لكن مع التأمل أدركت أن هذا يصف أثر الفعل، لا حقيقة النفس.
ثم خطرت لي فكرة أجدها أقرب لفهمي اليوم.
النفس ليست عدوًا، وليست مجرد صوت داخلي، بل هي شيء يُغذّى.
كل ما تكرره يغذيها.
إذا غذيتها بالخير، بدأت تميل إلى الخير.
وإذا غذيتها بالشر، بدأت تألف الشر.
فالإنسان لا يخرج من كل تجربة كما دخلها، بل يترك كل فعل أثرًا في نفسه.
ولهذا لا تكون المعصية الثانية كالأولى، ولا الطاعة العاشرة كالأولى.
النفس تتشكل بما نكرر.
وهنا تذكرت قول الله تعالى:
﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ﴾
الآية لم تقل إن الصلاة تمنع الإنسان قسرًا، بل إنها تربي داخله شيئًا يجعله مع الوقت ينفر من الفحشاء والمنكر.
كأن الصلاة غذاء للنفس، لا مجرد عبادة تؤدى بالحركات.
ولهذا قد يصلي إنسان ولا يرى أثر الصلاة في سلوكه إذا غاب حضور القلب، بينما آخر تغيّر حياته صلاةً بعد صلاة.
ثم وجدت أن القرآن لا يصف النفس بحالة واحدة.
بل يذكر:
النفس الأمارة بالسوء.
النفس اللوامة.
النفس المطمئنة.
ولم أفهمها كثلاث أنفس مختلفة، بل كنفس واحدة تتغير حالها بحسب ما يغذيها الإنسان.
قد تغلبها الشهوة فتأمر بالسوء.
وقد تستيقظ فيها الفطرة فتلوم.
وقد تسمو بالطاعة حتى تطمئن.
ومن هنا وجدت فرقًا كبيرًا بين القرآن وبعض الخطابات الحديثة.
القرآن لا يقول: تحرر من نفسك.
بل يقول:
﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾
أي أن النفس ليست شيئًا نهرب منه، بل شيئًا نربيه.
ليست عدوًا، بل أمانة.
وليست سجنًا، بل أرضًا.
وكل يوم نسقي هذه الأرض.
إما بطاعة، أو بمعصية.
"وبعد كل هذا التأمل، وجدت أن كل إجابة تقود إلى سؤال آخر..."
إذا كانت كل طاعة تترك أثرًا، وكل معصية تترك أثرًا، وإذا كانت النفس تميل إلى ما نغذيها به...
أيهما يغيّر الآخر أولًا... النفس أم الفعل؟
هل نعمل الخير لأن نفوسنا صالحة؟
أم تصبح نفوسنا صالحة لأننا بدأنا بفعل الخير؟
ربما لا تكون الإجابة بهذه البساطة...
لكن المؤكد أن الإنسان لا يخرج من أي فعل كما دخل إليه.
كل فعل يترك جزءًا منه في النفس.
وكل نفس تحمل أثر ما اختارت أن تكرره.
