محمد الشبريجميع المقالات

رحلة بناء الإنسان · المحطة ٠٤

هل تعرف نفسك... قبل أن تُفتن؟

قراءة نحو 6 دقائقمحمد الشبري
المقالة ٠٤ من ٠٥

في مقالتي السابقة، وصلت إلى فكرة بدت لي مطمئنة.

أن القرارات الكبيرة لا تولد في لحظتها.

وأن الإنسان يصل إلى لحظة الاختيار وهو يحمل معه أثر ما كرره، وما اعتاده، وما فعله حين لم يكن يراه أحد.

لكن بعد أن انتهيت، بقي سؤال أزعج هذه الطمأنينة.

إذا كان الإنسان يستطيع أن يزكي نفسه، ويهذبها، ويعتاد الخير حتى يصبح أكثر قدرة على اتخاذ القرار الصحيح...

فلماذا يُفتن الصالحون؟

وهل يكفي أن يتشكل الإنسان على الخير...

حتى يثبت عليه؟

توقفت عند فكرة بدت لي بسيطة...

لكنها غيّرت طريقة نظرتي إلى القيم.

ليس أصعب ما في القيم أن نعرفها...

بل أن تبقى معنا عندما تصبح مكلفة.

قد يبدو الصدق سهلًا...

حتى تكون الكذبة هي الطريق الوحيد للنجاة.

وقد تبدو الأمانة أمرًا طبيعيًا...

حتى يصبح ثمنها خسارة مال أو منصب.

وقد تبدو العفة واضحة...

حتى تأتي الفتنة التي توافق ضعف الإنسان.

حينها لا تتغير القيم.

الذي يتغير...

هو ثمن التمسك بها.

وهنا بدأت أفكر:

ربما معرفة الخير شيء...

والاقتناع به شيء آخر...

والثبات عليه عندما يصبح له ثمن... شيء ثالث تمامًا.

وهنا عدت إلى القرآن.

قال الله تعالى:

﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ ۝ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾

توقفت عند:

﴿وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾

لأنني كنت أنظر إلى الفتنة وكأنها شيء يأتي من الخارج ليهدد ما في الإنسان.

لكن ماذا لو أن بعض ما في الداخل...

لا يظهر على حقيقته إلا عندما يُمتحن؟

وهنا وجدت نفسي أعود إلى المقالات السابقة.

في المقال الأول، تحدثت عن النفس التي تتشكل بما نغذيها به.

وفي الثاني، تساءلت كيف تؤثر تلك النفس في الطريقة التي نرى بها العالم.

وفي الثالث، وصلت إلى أن القرار لا يبدأ في لحظة الاختيار، بل يسبقه إنسان تشكّل في الخفاء.

لكن ربما كان هناك شيء ناقص.

يمكنك أن تربي النفس.

ويمكنك أن تصحح رؤيتك.

ويمكنك أن تعتاد الخير.

لكن كل ذلك لا يعني أن الطريق انتهى.

لأن هناك فرقًا بين قيمة تعيش فيك عندما تكون الحياة هادئة...

وقيمة تبقى فيك عندما يصبح لها ثمن.

ثم تذكرت نقاشًا دار بيني وبين شخص عن بعض المعاصي.

قلت له إن هناك ذنوبًا قد ينفر منها الإنسان بشدة.

قد يرى الخيانة شيئًا مقززًا، ولا يفهم كيف يستطيع شخص أن يخون.

وقد يرى شرب المسكر أمرًا أبعد ما يكون عنه، حتى يشعر أنه يستحيل أن يقع فيه.

فقال لي معنى بقي في ذهني:

ماذا لو كان بُعدك عن الذنب ليس دليلًا على أنك أصبحت أقوى منه...

بل من حفظ الله لك؟

توقفت عند الفكرة.

ليس لأننا نستطيع أن نقول إن الله يوقع إنسانًا في معصية بعينها ليعلمه ذلك؛ فلا نستطيع أن نجزم بحكمة الله في واقعة معينة بلا دليل.

لكن السؤال نفسه بقي:

هل نفوري من الذنب يعني أنني أصبحت في مأمن منه؟

هناك فرق كبير بين أن تقول:

أنا أكره هذا الذنب.

وأن تقول:

أنا يستحيل أن أقع في هذا الذنب.

الأولى تصف موقفك منه.

أما الثانية...

فتصدر حكمًا على نفسك أمام فتنة لم تأتِ بعد.

وقد يكون الإنسان صادقًا تمامًا حين يقول إنه يكره معصية ما.

ثم تتغير الظروف.

تشتد الشهوة.

يتكرر التبرير.

تأتي الصحبة.

يضعف القلب.

تتدرج الخطوات.

أو تأتي لحظة غفلة لم يكن يتصور نفسه فيها.

ثم يجد نفسه أمام شيء كان ينظر إليه يومًا ويتساءل:

كيف يفعل الناس هذا؟

وهنا تذكرت يوسف عليه السلام.

إن كان هناك من عرفنا عفته أمام الفتنة، فهو يوسف.

ومع ذلك لم يقل:

لقد قاومت، وأنا أعرف نفسي، ولن أقع.

بل قال:

﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الْجَاهِلِينَ﴾

توقفت عند:

﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي﴾

كأن الثبات هنا لا يبدأ من الثقة بالنفس...

بل من معرفة حاجة النفس إلى من يثبتها.

وهنا تغير عندي معنى الصلاح قليلًا.

ربما الصلاح ليس أن تصل إلى مرحلة تقول فيها:

أنا لا يمكن أن أفعل هذا.

بل أن تكره الذنب، وتربي نفسك على تركه، وتبتعد عن أسبابه...

وفي الوقت نفسه تعرف أنك لا تستغني عن توفيق الله لحظة واحدة.

فالإنسان قد يكره المعصية بصدق...

ويخشى على نفسه منها بصدق.

ولا تناقض بين الاثنين.

ولهذا أصبح دعاء النبي ﷺ يحمل عندي معنى أعمق:

»يا مقلب القلوب، ثبت قلبي على دينك .«

إذا كان القلب يحتاج إلى أن يسأل الله الثبات...

فربما أخطر ما يمكن أن يصل إليه الإنسان بعد سنوات من تزكية نفسه ليس أن يعرف ضعفه...

بل أن يظن أنه أصبح أقوى من أن يضعف.

وهنا بدأت أرى الفتنة بطريقة مختلفة.

ربما هي لا تختبر قيمنا فقط...

بل تختبر أيضًا الصورة التي صنعناها عن أنفسنا.

قد أظن أنني كريم...

لأنني لم أحتج يومًا إلى ما أعطيه.

وقد أظن أنني متواضع...

لأنني لم أملك ما يدعوني إلى الكبر.

وقد أظن أنني عفيف...

لأن الفتنة التي تناسب ضعفي لم تمر بي بعد.

وقد أظن أنني ثابت...

لأنني لم أقف بعد أمام الشيء الذي يهز ثباتي.

وهذا لا يعني أن كل فضيلة قبل الاختبار وهم.

لكن ربما يعني أن الإنسان لا يعرف دائمًا مدى رسوخها فيه حتى تُختبر.

وهنا بدأت أفهم معنى آخر للابتلاء.

فالاختبار لا يخبر الله بما فينا؛ فالله يعلم السر وأخفى.

لكنه قد يجعل الإنسان يرى من نفسه ما لم يكن يراه.

قد تظن أنك تجاوزت تعلقًا...

حتى تفقده.

وقد تظن أنك لا تهتم بكلام الناس...

حتى تضطر إلى الوقوف وحدك أمامهم.

وقد تظن أنك سامحت...

حتى ترى من أساء إليك.

وقد تظن أنك عرفت نفسك...

حتى تأتي الفتنة من الباب الذي لم تكن تراقبه.

ولهذا توقفت عند قول الله تعالى:

﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾

لفتتني كلمة التمحيص.

لأن الابتلاء ليس دائمًا لحظة سقوط.

قد يكون لحظة تنقية.

يكشف ضعفًا كان مستترًا.

ويهدم وهمًا حمله الإنسان عن نفسه.

ويكشف له المسافة بين الإنسان الذي ظن أنه أصبحه...

والإنسان الذي ما زال يحتاج أن يكونه.

وربما لهذا لا تكون الفتنة نهاية قصة التزكية...

بل جزءًا منها.

نُزكي أنفسنا.

ثم نُختبر.

فنكتشف شيئًا لم نكن نعرفه عنها.

ثم نعود إلى تزكيتها بمعرفة أعمق.

وكأن الرحلة ليست خطًا مستقيمًا:

تزكية ثم كمال.

بل:

تزكية... اختبار... اكتشاف... ثم تزكية من جديد.

وهنا أدركت أن السؤال:

هل أنا صالح؟

قد لا يكون كافيًا.

لأن الصلاح في الأيام الهادئة شيء...

والثبات عندما يصبح لهذا الصلاح ثمن شيء آخر.

وربما السؤال الذي ينبغي أن أخشاه أكثر ليس:

هل يمكن أن أسقط؟

بل:

هل وصلت إلى مرحلة أظن فيها أنني لا يمكن أن أسقط؟

لأن معرفة الإنسان بضعفه لا تعني أن يستسلم له...

بل أن يعرف أن تزكية النفس لا تنتهي بالثقة بها.

وأن الثبات ليس ملكًا نمتلكه مرة واحدة...

بل نعمة نسأل الله بقاءها.

وبعد كل هذا التأمل...

وجدت أن المقالات السابقة كانت تبحث في الإنسان:

كيف يزكي نفسه؟

كيف يرى؟

كيف يقرر؟

لكن الفتنة أضافت سؤالًا لم أضعه في الحسبان:

ماذا يحدث لكل ذلك... عندما يصبح للخير ثمن؟

وربما هنا يظهر الفرق بين قيمة نؤمن بها...

وقيمة أصبحنا مستعدين لأن نخسر شيئًا من أجلها.

ثم بقي سؤال آخر لم أستطع تجاوزه:

إذا كانت الفتنة تكشف ما في الإنسان... فهل تكتفي بكشفه، أم أن ما نمر به يعيد تشكيلنا أيضًا؟

محمد الشبري© ٢٠٢٦ — جميع الحقوق محفوظة. نُشر هذا المقال للقراءة عبر الموقع الرسمي.