روح طفلة
من دفتر القضيةالملاحظة رقم (00)

قبل فتح الأوراق

روح طفلة

تنويه هذه الرواية مستوحاة من كتابات وتحقيقات غير منشورة لمحقق سابق، وأُعيد بناء أحداثها أدبيًا. جرى تغيير بعض الأسماء والظروف والأماكن، كما تم حجب واختصار عدد من التفاصيل المتعلقة بأساليب التحقيق وربط الأدلة؛ احترامًا لخصوصية أصحابها ولأن بعض ما ورد في المادة الأصلية لا يمكن ذكره كما هو.

01
من دفتر القضيةالملاحظة رقم (01)

قبل أن يعرف أحد

كان صوت الرجلين يصل إلى أعلى الدرج متقطعًا.

في البداية لم تستطع الطفلة فهم الكلمات.

كانت مستلقية في فراشها حين ارتفع أحد الصوتين:

— قلت لك، الموضوع انتهى.

جاءه الآخر أكثر توترًا:

— اسمعني بس.

— سمعتك كثير.

صمت.

ثم:

— إذا طلعت الأوراق، بتدخلنا كلنا في شيء ما له نهاية.

رد الرجل الآخر:

— من بكره… ما عاد لي يد بالموضوع.

تحركت الطفلة في سريرها.

في الأسفل احتكاك كرسي بالأرض.

صوت تدافع.

ثم...

ضربة.

بعدها سكون.

جلست الطفلة.

انتظرت.

ثم سمعت امرأة تقول بصوت مرتجف:

— يا الله... وش سويت؟!

تلتها كلمات لم تفهمها.

خرجت الطفلة من غرفتها.

وضعت قدمها على أول درجة.

ثم الثانية.

وقبل أن تستطيع رؤية الصالة، ظهر رجل أمامها.

صعد إليها بسرعة.

كان يتنفس بقوة.....

02
من دفتر القضيةالملاحظة رقم (02)

نجران

لم تكن نجران ضمن خطط فهد.

حين أخبره صاحب العمل أنهم يريدونه مسؤولًا عن مقرهم الجديد في نجران، لم يكن أول ما فكر فيه الراتب ولا المنصب.

كل ما كان يعرفه أن فرصة العمل الجديدة تستحق الانتقال.

أما نورة، فلم تكن متحمسة.

قال لها:

— فترة ونشوف بعدها.

ردت:

— أنت بتدخل دوام جديد وتتعرف على ناس. أنا ببدأ حياتي كلها من الصفر.

احتاج وقتًا حتى أقنعها...

أما المنزل وجده أسرع مما توقعا.

قديم قليلًا.

لكنه نظيف.

واسع.

وقريب من عمله.

وسعره مناسب.

سأل فهد الرجل الذي دلّه عليه:

— ليش له فترة فاضي؟

قال:

— الناس تفضل البيوت الجديدة.

لم يسأل أكثر.

انتقلا.

مرت الأيام الأولى بصورة طبيعية.

لا شيء غريب في المنزل.

المشكلة بدأت في نوم نورة.

في الحلم الأول كانت داخل غرفة لا تعرفها.

لم تكن واقفة.

كانت جالسة على الأرض.

نظرت إلى يديها.

بدتا أصغر من يديها.

رفعت رأسها.

نافذة عالية.

باب مغلق.

وضوء خافت.

استيقظت.

لم تعطِ الأمر اهتمامًا.

بعد أيام عاد الحلم.

هذه المرة سمعت سيارة تبتعد.

وشعرت بخوف لم تستطع تفسيره.

قال فهد صباحًا:

— كابوس؟

— ايه.

— وش شفتي؟

قالت:

— مدري... كنت أنتظر أحد يرجع.

ثم سكتت.

— بس الغريب...

— وش؟

— كنت أحس إني صغيرة.

مر أسبوع تقريبًا.

استيقظ فهد على صوت نورة.

لم تكن تصرخ.

كانت تتحدث وهي نائمة.

قالت اسمًا واضحًا:

— أسماء...

هز كتفها.

فتحت عينيها.

— وش؟

— تعرفين وحدة اسمها أسماء؟

فكرت.

— لا.

— قلتي الاسم وأنت نايمه.

ابتسمت بتوتر.

— يمكن من الحلم.

لكن الاسم ظل عالقًا في ذهنها.

03
من دفتر القضيةالملاحظة رقم (03)

اسم لم تسمعه من قبل

مرت أسابيع.

بدأت نورة تتعرف على بعض الجارات.

إحدى النساء الكبيرات في السن كانت تزورها أحيانًا.

في إحدى الزيارات، وبينما كانت نورة تصب القهوة، أخذت المرأة تنظر حولها.

قالت:

— البيت تغير كثير.

ابتسمت نورة.

— تعرفينه من قبل؟

— من زمان.

جلست المرأة لحظة صامتة.

ثم قالت:

— سكنته عائلة قبل سنين.

قالت نورة:

— وين راحوا؟

توقفت المرأة عن تحريك فنجانها.

رفعت عينيها.

— ما قالوا لك؟

— وش!

تنهدت.

— صار لهم شيء هنا.

تغير وجه نورة قليلًا.

— وش صار؟

ترددت الجارة.

ثم قالت:

— الزوج والزوجة ماتوا داخل البيت.

بقيت يد نورة معلقة فوق الدلة.

— ماتوا؟

خفضت المرأة صوتها.

— انقتلوا.

عم الصمت...

ثم قالت المرأة بسرعة:

— قديم جدًا، لا أخوفك. والبيت ما له ذنب.

وضعت نورة الدلة.

— كان عندهم عيال؟

تغير وجه الجارة.

— بنت صغيرة.

شعرت نورة بنبضها يتسارع دون سبب مفهوم.

قالت:

— وش صار لها؟

— اختفت بنفس الليلة.

— يعني خطفوها؟

— محد يدري. بحثوا عنها كثير وما لقوها، للحين محد يعرف وش صار لها.

ترددت نورة قبل أن تسأل:

— وش اسمها؟

قالت المرأة:

— أسماء.

لم تتحرك نورة.

شعرت كأن صوت المرأة ابتعد عنها.

— وش قلتي؟

استغربت الجارة.

— أسماء.

وضعت نورة الفنجان ببطء.

لاحظت الجارة تغير وجهها.

— وش فيك؟

— لا... ما فيني شيء.

لكن يدها كانت ترتجف.

انتظرت حتى خرجت الجارة.

ثم وقفت في الصالة فترة طويلة.

تحاول إقناع نفسها أنها ربما سمعت الاسم من أحد.

من صاحب المنزل.

من فهد.

من أي شخص.

لكنها تعرف أنها لم تسمعه.

حين عاد فهد من العمل، لم تترك له فرصة حتى يبدل ملابسه.

قالت:

— فهد.

— هلا؟

— البيت هذا صار فيه جريمة قتل.

توقف.

— وش!

حكت له كل شيء.

ظل ينظر إليها.

ثم قالت:

— وكان عندهم بنت اختفت.

— بنتهم؟

هزت رأسها.

قالت:

— تدري وش اسمها؟

وش؟

— أسماء.

تغير وجهه.

— نفس الاسم اللي قلتيه وأنت نايمه؟

— ايه.

سكت.

ثم قال:

— يمكن سمعتيه قبل ونسيتي.

رفعت عينيها إليه.

— من مين؟

لم يجد جوابًا.

قالت:

— أنا ما كنت أدري إن فيه بنت أصلًا.

ومن تلك الليلة...

لم يعد الحلم بالنسبة لنورة مجرد حلم.

04
من دفتر القضيةالملاحظة رقم (04)

أشياء لا تعرفها

حاول فهد أن يكون أكثر عقلانية منها.

بدأ يسأل عن المنزل.

عرف أسماء الأسرة.

الأب:

عبدالرحمن.

الأم:

هدى.

والطفلة:

أسماء.

عرف أيضًا أن القضية قديمة، وأن القاتل لم يُحسم أمره لسنوات، وأن الطفلة بقيت مفقودة.

لكن أكثر ما لفت انتباهه هو أن البيت نفسه لم يكن يحمل أي شيء غريب.

لا أحد من الجيران تحدث عن ظواهر.

ولا عن قصص متداولة.

كانت الجريمة هي الشيء الوحيد الذي جعل المنزل مختلفًا.

وهذا جعله يتمسك بفكرة أن ما يحدث لنورة ربما له تفسير نفسي.

حتى جاء حلم جديد.

كانت نورة داخل سيارة.

ترى الطريق من مستوى منخفض.

كأن جسدها أصغر من الطبيعي.

رجل يقود.

لا ترى وجهه.

صوت طفلة يقول:

— وين ماما؟

قال الرجل:

— تعبانه.

ثم:

— الصبح نروح لها.

استيقظت نورة.

أخبرت فهد.

قال:

— تعرفين الرجل؟

— لا.

ثم أضافت:

— بس هي كانت تعرفه.

— كيف عرفتي؟

— لأنها ما كانت خايفة منه بالبداية.

بدأت نورة ترسم أحيانًا ما تراه.

غرفة.

نافذة.

كرسي.

باب.

لكن فهد لم يبحث عن المكان.

ولم يحاول مطابقة الرسومات على شيء.

قال لها:

— ما أبي نخلي الأحلام تقودنا.

احتفظ بالرسومات فقط.

خلال بحثه في الأسرة عرف أن لهدى أخًا اسمه ناصر.

خال أسماء.

قال له أحد معارف الأسرة القديمة:

— الرجال تعب وهو يدور عليها.

— ناصر؟

— ايه. من أول يوم وهو يبحث مع أهلها.

لم يثر الاسم الشك.

على العكس.

صورة الرجل التي ظهرت أمام فهد كانت صورة خال فقد أخته ثم خرج يبحث عن ابنتها.

ولا شيء أكثر.

05
من دفتر القضيةالملاحظة رقم (05)

الورقة التي بقيت

بدأ فهد يسأل عن عبدالرحمن نفسه.

لماذا قد يقتله أحد؟

لم تكن الإجابات واضحة.

كان رجلًا عمليًا.

صاحب نشاط صناعي.

معروفًا بانضباطه.

وغيابه صباح الجريمة هو الذي أدى أصلًا إلى اكتشافها.

لكن موظفًا قديمًا ذكر شيئًا.

قال:

— قبل وفاته كان مشغول بموضوع بالحسابات.

— أي موضوع؟

— مبالغ ومعاملات ما كانت مضبوطة.

لم يستطع أن يقول أكثر.

وصل فهد بعدها إلى السكرتير السابق لعبدالرحمن.

تذكر الرجل أن عبدالرحمن كان لديه اجتماع مهم صباح اليوم الذي لم يحضر فيه.

وكان يجهز ملفًا بنفسه.

قال فهد:

— الملف عن وش؟

— أكثر من موضوع، بس كان فيه شيء مضايقه.

— وش هو بالضبط؟

تردد.

— كان فيه اسم يتكرر.

— مين؟

قال:

— ناصر.

ظهرت بعد ذلك نسخ عمل قديمة بقيت ضمن ملفات المصنع.

تحويلات.

اعتمادات.

معاملات.

وملاحظات بخط عبدالرحمن.

اسم ناصر يظهر أكثر من مرة.

وفي إحدى الأوراق:

.. يُراجع معه قبل الاجتماع..

والاجتماع كان صباح اليوم التالي للجريمة.

هنا شعر فهد أنه تجاوز حدود الفضول.

لم يعد الأمر متعلقًا بأحلام زوجته.

صار لديه شيء مادي.

شيء يمكن فحصه.

ذهب إلى جهة الاختصاص.

لم يقل شيئًا عن نورة.

ولا عن أحلامها.

قال فقط إنه يسكن المنزل القديم، وإن بحثه في تاريخ الأسرة قاده إلى مستندات ربما تشير إلى خلاف مالي لم يظهر بالصورة نفسها في القضية الأولى.

لم تكن الأوراق دليل قتل.

لكنها كانت بداية مختلفة.

06
من دفتر القضيةالملاحظة رقم (06)

القضية التي لم تمت

لم تتحرك القضية لأن نورة رأت حلمًا.

تحركت لأن ورقة قديمة جعلت إفادة قديمة تبدو مختلفة.

في محضر سابق، كان ناصر قد قلل من حجم تعاملاته مع عبدالرحمن.

قال إنها معاملات محدودة.

ولا خلاف حقيقيًا بينهما.

لكن الأوراق التي ظهرت الآن أشارت إلى علاقة مالية أوسع.

وإلى أن عبدالرحمن كان يراجعها قبل مقتله.

ثم ظهر مستند آخر محفوظ لدى طرف ثالث يثبت أن ناصر كان طرفًا مباشرًا في معاملة سبق أن قلل من أهميتها.

المرفق المالي الذي غيّر قراءة الإفادة القديمة

لم يكن هذا إثباتًا للقتل.

لكنه أعاد سؤالًا قديمًا:

لماذا لم يذكر ناصر حجم الخلاف؟

أعيد استدعاؤه.

بدأ الحديث عن المال.

قال:

— الموضوع قديم.

قال المحقق:

— قلت وقتها إن تعاملك مع عبدالرحمن بسيط.

— حسب اللي أتذكره.

وُضعت أمامه ورقة.

— توقيعك؟

نظر إليها.

— الظاهر.

— ليش ما ذكرت هالمعاملة وقت التحقيق الأول؟

— ما أذكر وش كنت أعرف وقتها بالضبط.

لم يُضغط عليه أكثر.

بعد ذلك بدأت مراجعة أجزاء من تحركاته القديمة.

وهنا توجد تفاصيل في مسار التحقيق فضّلت عدم نقلها بحذافيرها؛ لأن أصل بعض هذه الخيوط مستوحى من مادة كتبها محقق سابق، وبعض طرق جمع المعلومات وربطها ببعضها لها خصوصيتها.

ما يمكن قوله هو أن النتيجة كانت واضحة:

رواية ناصر عن تلك الليلة لم تعد متماسكة كما بدت في السابق.

ظهرت فترة زمنية لم يستطع تفسيرها بصورة دقيقة.

وظهرت إفادات لا تنسجم بالكامل مع بعض ما قاله.

كل نقطة منفردة لم تكن كافية.

لكن الاتجاه تغير.

لم يعد ناصر فقط:

أخو الضحية وخال الطفلة المفقودة.

أصبح:

رجلًا يحتاج إلى تفسير.

07
من دفتر القضيةالملاحظة رقم (07)

تحت التراب

في الوقت نفسه استمرت أحلام نورة.

ليس باستمرار.

قد تمر أيام طويلة دون شيء.

ثم تعود الغرفة.

في حلم جديد رأت الطفلة تدفع الكرسي.

وضعته أسفل النافذة.

صعدت.

مدت يدها.

حاولت رفع جسدها.

مال الكرسي.

وانتهى الحلم.

استيقظت نورة وهي تمسك مؤخرة رأسها.

قال فهد:

— وش صار؟

قالت:

— طاحت.

— مين؟

— أسماء.

ثم بدأت تبكي.

— كانت لحالها.

لم تصل هذه المعلومة إلى المحققين.

ولم يكن لها دور رسمي في القضية.

وفي المقابل، أدى مسار التحقيق المستقل إلى البحث في أماكن مرتبطة بتحركات ناصر القديمة.

كيف وصل التحقيق إلى نطاق معين؟

بعض التفاصيل تعمدت عدم ذكرها.

المهم أن المكان لم يأتِ من حلم نورة.

ولم يأخذ أحد رسوماتها ليتبعها في الصحراء.

جاء من عمل تحقيقي مادي مستقل.

في منطقة بعيدة عن العمران، بدأ البحث.

ثم ظهرت بقايا بشرية.

تغير كل شيء.

الموقع أصبح مسرحًا جديدًا.

استُدعي المختصون.

وأُبعد كل من لا علاقة له بالعمل.

انتظر فهد.

لم يكن يعرف إلا القليل.

بعد أيام وصل الخبر.

رفات طفلة.

العمر يتوافق تقريبًا.

ثم جاءت المضاهاة.

والنتيجة:

أسماء.

بعد سنوات من بقائها تحت كلمة:

مفقودة

تحديث حالة أسماء
مستند غير رسمي — لا يمثل أي جهة حكومية

أصبح معروفًا أين انتهى بها الطريق.

حين أخبر فهد نورة، جلست صامتة.

قال:

— لقوها.

نظرت إليه.

لم تبكِ فورًا.

ثم سألت:

— وين؟

أخبرها بالقدر الذي يعرفه.

وضعت يدها على وجهها.

وقالت:

— يعني كانت تنتظر أحد يلقاها كل هالسنين.

08
من دفتر القضيةالملاحظة رقم (08)

الرجل الذي بحث عنها

العثور على أسماء لم يثبت من قتلها.

لكنه فتح للمحققين بابًا جديدًا بالكامل.

لم تعد هناك طفلة مفقودة فقط.

أصبح هناك موقع دفن.

مكان.

توقيت محتمل.

وأشخاص يمكن إعادة النظر في أقوالهم بناءً على معلومة لم تكن موجودة وقت التحقيق الأول.

أعيدت إفادات قديمة.

أشخاص لم تكن معلوماتهم مهمة سابقًا أصبح لكلامهم معنى مختلف.

طرق.

سيارات.

تحركات.

أماكن كان ناصر يعرفها.

وفترات لم يكن وجوده فيها واضحًا تمامًا.

بعض تفاصيل ترابط هذه المعلومات فضلت إبقاءها خارج السرد للأسباب نفسها المتعلقة بخصوصية المادة الأصلية.

لكن النتيجة كانت واحدة:

كلما تقدم التحقيق...

عاد اسم ناصر.

ثم عاد الملف المالي.

عبدالرحمن كان على وشك فتح معاملات.

ناصر لم يذكر حجم الخلاف كاملًا.

وأسماء، حسب ما ظهر من مسرح الجريمة، يبدو أنها خرجت من المنزل دون مقاومة واضحة.

ظهر سؤال جديد:

هل خرجت مع شخص تعرفه؟

إعادة استدعاء ناصر

استُدعي ناصر.

سأله المحقق:

— أسماء كانت قريبة منك؟

قال:

— بنت أختي.

— لو شافتك بالليل وقلت لها تركب معك، بتركب؟

رفع ناصر عينيه.

— وش تقصد؟

— سؤال.

قال:

— أكيد تعرفني.

لم يعلق المحقق.

بدأ نوم ناصر يتغير.

لم يكن يعرف ماذا يعرفون.

وهذا كان أسوأ من معرفة كل شيء.

أصبح يسترجع الليلة القديمة.

عبدالرحمن.

أخته.

صوت أسماء على الدرج.

الغرفة.

والجملة:

الصبح أجيك.

في استدعاء لاحق طُلب منه إعادة الليلة من البداية.

فعل.

ثم أعادها.

ظهرت اختلافات.

المستند المالي أعاد قراءة الإفادة القديمة.

صغيرة.

لكنها تراكمت.

وفي نهاية الحديث قال المحقق:

— ناصر...

رفع رأسه.

— وش صار بعد ما طلعت أسماء من البيت؟

تغير وجهه.

لم يقل المحقق:

أنت أخذتها.

ولا:

أنت تعرف مكانها.

قال فقط:

بعد ما طلعت.

وناصر لم يعرف:

هل لديهم ما يثبت ذلك...

أم أنهم ينتظرون منه أن يثبتها بنفسه؟

ظل ناصر صامتًا.

ثم قال:

— ما أدري عن وش تتكلم.

لم يجادله المحقق.

مرت لحظات طويلة.

ثم قال ناصر:

— أنا ما رحت أقتل أحد.

رفع المحقق عينيه.

المحقق لم يكن قد قال إنه ذهب للقتل.

ومن هناك...

بدأ كل شيء.

09
من دفتر القضيةالملاحظة رقم (09)

الليلة

كان عبدالرحمن قد اكتشف معاملات استغل فيها ناصر الثقة والقرابة.

في البداية حاول احتواء الأمر.

هدى، زوجته وأخت ناصر، تدخلت.

قالت له أكثر من مرة:

أعطه فرصة.

عبدالرحمن أعطاه.

ثم أعطاه أخرى.

لكن المشكلة اتسعت.

وبدأت مستندات قد تجعل عبدالرحمن نفسه مسؤولًا إن بقي ساكتًا.

في النهاية قرر التوقف.

في صباح اليوم التالي كان سيبدأ الإجراء الرسمي.

ناصر عرف.

ذهب إلى المنزل ليلًا.

لم يذهب وفي رأسه قتل.

ذهب للأوراق.

ولإقناع عبدالرحمن للمرة الأخيرة.

بدأ الحديث.

ثم ارتفع.

قال ناصر:

— خل الموضوع بيننا.

قال عبدالرحمن:

— حاولت.

— بتضرنا كلنا.

— أنت اللي وصلت الموضوع هنا.

ثم قال عبدالرحمن:

— بكرة الأوراق بتكون عندهم.

حدث تدافع.

أمسك ناصر شيئًا قريبًا.

ضرب عبدالرحمن.

ضربة واحدة.

سقط.

ارتطم رأسه.

لم يقم.

ناصر بقي واقفًا.

ناداه.

حاول تحريكه.

ثم دخلت هدى.

رأت زوجها.

ثم أخاها.

قالت:

— ناصر... وش سويت؟

حاول أن يشرح.

بدأت تصرخ.

حاول منعها من الاتصال.

قاومته.

وتحولت اللحظات التالية إلى فوضى.

كان ناصر في حالة هلع حاد وضيق في الانتباه؛ لا يرى الصورة كاملة، وكل ما يفكر فيه هو منع اللحظة من الخروج خارج البيت.

اعتدى عليها.

وحين توقف...

كانت أخته أيضًا لا تتحرك.

ثم سمع صوت أسماء.

كانت تنزل.

تحرك إليها قبل أن ترى الصالة.

— خالي؟

وقف أمامها.

— وين ماما؟

— تعبانة شوي.

— وأبوي؟

— بعد.

— أبي أشوفهم.

قال:

— تعالي معي أول.

خرجت معه.

لم تقاوم.

إنه خالها.

أركبها السيارة.

ولم يكن يعرف ماذا سيفعل.

لا يستطيع إعادتها.

ولا أخذها إلى بيته.

تذكر مكانًا خاصًا به بعيدًا عن المنزل.

أدخلها غرفة.

قالت:

— أبي ماما.

— الصبح أجيك.

— لا تروح.

أغلق الباب.

وعاد إلى منزل أخته.

هنا تغيرت طبيعة أفعاله.

الشجار انتهى.

لم يعد أحد يهاجمه.

صار لديه وقت يفكر.

جمع الأوراق التي يعرف مكانها.

أخذ ما يخشاه.

وحاول إزالة ما ظن أنه قد يربطه بالمكان.

لم يكن محترفًا.

ولم ينجح في إزالة كل شيء.

أما التفاصيل الدقيقة لما بقي وكيف أصبح ذا معنى لاحقًا، فقد فضلت عدم نقلها.

ثم عاد إلى منزله.

في الصباح...

لم يأتِ عبدالرحمن إلى المصنع.

لاحظ الحارس.

اتصل السكرتير.

ثم أخوه.

واكتُشفت الجريمة.

وصل الخبر إلى ناصر.

ذهب إلى منزل أخته.

رأى أهله.

رجال الجهات المختصة.

الناس.

ثم سمع:

— أسماء مفقودة.

وتذكر الغرفة.

كان يستطيع الذهاب.

في تلك اللحظة تحديدًا، كان يستطيع الذهاب.

قال لنفسه:

بعد قليل.

ثم جاءت الأسئلة.

ثم الأقارب.

ثم بدأ البحث.

خاف أن يغادر فجأة.

قال:

بعد الظهر.

حين يهدأ الوضع.

مرت الساعات.

وفي كل مرة كان هناك خياران:

أسماء.

أو نفسه.

فاختار نفسه.

حين استطاع الوصول إلى المكان...

فتح الباب.

— أسماء؟

لا جواب.

دخل.

رأى الكرسي قريبًا من النافذة.

ثم رآها.

كانت قد حاولت الخروج.

سقطت.

أصيبت.

وظلت وحدها.

لم يعرف كم بقيت واعية.

ولا كم مرة نادته.

كانت ميتة عندما وصل.

جلس بالقرب منها.

وبكى.

قال بعدها بسنوات:

— والله ما كنت أبيها تموت.

لكن موتها لم يكن نهاية قراراته.

كان أمامه خيار.

يتصل.

يعترف.

ينهي كل شيء.

لكنه لم يفعل.

حمل جسدها.

وضعه في السيارة.

ذهب إلى منطقة بعيدة يعرفها.

ودفنها.

ثم عاد.

وبعد ذلك...

خرج مع أهلها يبحث عنها.

10
من دفتر القضيةالملاحظة رقم (10)

أسماء

لم تنتهِ القضية لأن ناصر اعترف.

الاعتراف وحده لم يكن كافيًا.

أعيدت أقواله إلى ما كان موجودًا بالفعل.

المستندات.

الإفادات القديمة.

الفجوات الزمنية.

الأماكن.

المعلومات غير المعلنة.

وتفاصيل أخرى فضلت عدم ذكرها.

الاعتراف كان مهمًا لأنه طابق أشياء يعرفها التحقيق أصلًا.

وبذلك أمكن إعادة بناء الليلة.

موت عبدالرحمن بدأ بشجار لم يخطط ناصر لنتيجته.

لكن ما حدث بعد ذلك لم يكن حادثة واحدة طويلة.

كان سلسلة من القرارات.

بعد سقوط عبدالرحمن...

كان لديه قرار.

بعد موت أخته...

كان لديه قرار.

عندما أخذ أسماء...

كان لديه قرار.

حين علم أن الجميع يبحثون عنها...

كان لديه قرار.

وحين وجدها ميتة...

كان لديه قرار أخير.

وفي كل مرة...

اختار أن يحمي نفسه.

أُحيلت القضية إلى القضاء.

أما بقية تفاصيلها القضائية، فبقيت خارج هذه الرواية.

ليس لأنها غير مهمة.

لكن لأن قصة فهد ونورة انتهت تقريبًا حين عرف أهل أسماء أين انتهت ابنتهم.

لم تعد:

مفقودة.

صار لها قبر.

وحقيقة.

بقي فهد ونورة في المنزل مدة قصيرة.

ثم قررا الانتقال.

لم يكن البيت مخيفًا.

لم يسمع فهد أصواتًا.

ولم ير أحد شيئًا يتحرك.

لكن الحقيقة نفسها جعلت المكان ثقيلًا.

الصالة لم تعد مجرد صالة.

الدرج لم يعد مجرد درج.

صار فهد كلما نظر إليه يتخيل طفلة بدأت تنزل ذات ليلة...

ثم أوقفها خالها قبل أن ترى آخر صورة لوالديها.

في الليلة الأخيرة، نام فهد.

أما نورة فتأخر نومها.

وحين نامت...

رأت أسماء.

لم تكن داخل الغرفة.

ولا داخل سيارة.

ولأول مرة لم تكن نورة ترى العالم من عيني الطفلة.

كانت تراها أمامها.

طفلة صغيرة.

هادئة.

لا شيء مخيف فيها.

ظهر شخصان بعيدًا.

رجل.

وامرأة.

لم تر نورة وجهيهما.

لكن أسماء عرفتهما.

ركضت إليهما.

ثم توقفت.

التفتت إلى نورة.

بقيت للحظات.

ثم ابتسمت.

وأكملت طريقها.

استيقظت نورة.

لم تصرخ.

لم توقظ فهد.

ظلت تنظر إلى السقف.

وشعرت للمرة الأولى أن الحكاية انتهت.

في الصباح حمل فهد آخر صندوق.

قال:

— نسيتي شيء؟

نظرت إلى المنزل.

— لا.

خرجت.

وأغلق الباب.

لم يحدث شيء.

كان مجرد بيت قديم أُغلق بابه.

مرت الشهور.

وفي إحدى الليالي، كان فهد يفكر بالموضوع وآخر ما وصل إليه عن القضية.

قال:

— تدرين وش الغريب؟

— وش؟

— بالنهاية عرفوا كل شيء بأشياء عادية.

قالت:

— مثل وش؟

— مستندات. إفادات. تناقضات. أماكن. تحقيق.

ثم نظر إليها.

— إلا شيء واحد.

عرفت ما سيقوله.

— كيف عرفتي اسمها؟

لم تجب.

— وكيف عرفتي الغرفة؟

قالت:

— ما أدري.

— وكيف عرفتي إنها حاولت تطلع؟

سكتت قليلًا.

ثم قالت:

— المهم إنهم عرفوا الحقيقة.

أغلق فهد الملف.

في المحاضر لم يكن هناك حلم.

لم يكن هناك ذكر لامرأة رأت في نومها ما رأته طفلة ماتت قبل سنوات.

ولم يكتب أي محقق أن روح طفلة هي التي أعادت القضية.

كانت هناك جريمة جنائية.

ضحايا.

متهم.

أدلة.

وحقائق أمكن إثباتها.

أما الجزء الذي لم يكن بالإمكان إثباته...

فبقي مع نورة.

ملخص ملف القضية

تصنيف القضية: قتل عمد مزدوج واختفاء قاصر. الموقع: نجران — بحسب ما ورد في أحداث الرواية حالة الملف: أُعيدت مراجعته بعد ظهور معطيات جديدة عدد الضحايا: ثلاثة أفراد من أسرة واحدة

ملخص الواقعة

بدأت القضية بعد تغيّب رب الأسرة عن عمله بصورة غير معتادة.

كان معروفًا عنه الالتزام الشديد بمواعيده، واعتاد الوصول إلى مقر عمله في وقت مبكر يوميًا. وفي صباح الواقعة لم يحضر، كما لم يجب على اتصالات سكرتيره رغم وجود اجتماع مهم كان مقررًا في ذلك اليوم.

بعد تكرار محاولات الاتصال، تم التواصل مع شقيقه الذي كان قريبًا من المنزل.

عند وصوله لاحظ وجود مركبتي الأسرة في الخارج، وعدم استجابة أي شخص لجرس المنزل أو الاتصالات الهاتفية.

لاحقًا تم الدخول إلى المنزل، حيث عُثر على الزوجين مقتولين.

أما ابنتهما الصغيرة أسماء فلم تكن موجودة.

ومنذ تلك اللحظة تحولت الواقعة من جريمة قتل مزدوج إلى قضية قتل مرتبطة باختفاء طفلة، مع بقاء احتمال أنها شاهدت جزءًا مما حدث قائمًا منذ الساعات الأولى للتحقيق.

المعاينة الأولية

لم تظهر في بداية القضية مؤشرات واضحة على دخول شخص غريب إلى المنزل بالقوة.

وهو ما أبقى احتمال أن يكون مرتكب الجريمة شخصًا تعرفه الأسرة، أو يستطيع الدخول إلى المنزل دون إثارة الريبة، ضمن الفرضيات المطروحة.

أُخذت إفادات الأقارب والمعارف والأشخاص المرتبطين بعمل رب الأسرة، وامتدت عمليات البحث عن أسماء إلى نطاق واسع.

لكن الطفلة لم يُعثر عليها.

كما لم تتوافر في ذلك الوقت أدلة كافية تسمح بتوجيه الاتهام بصورة مباشرة إلى شخص بعينه.

وبقيت أسماء لسنوات مسجلة بوصفها:

طفلة مفقودة.

المعطيات التي أعادت القضية

بعد مرور سنوات، ظهرت مستندات مالية وتجارية مرتبطة بعمل والد أسماء لم تكن قد خضعت للمراجعة نفسها أثناء التحقيق الأول.

لم تتعلق الأوراق بخلاف مالي عابر فحسب.

فقد أظهرت وجود تحويلات، معاملات وأطراف تجارية يصعب تفسير طبيعة العلاقة بينها بصورة واضحة، كما ظهرت أسماء منشآت وحسابات لم يكن نشاطها الفعلي متناسبًا مع حجم الأموال التي مرت من خلالها.

وفي أكثر من موضع، ظهر اسم شقيق زوجته:

ناصر.

عند مقارنة تلك المستندات بإفاداته القديمة، بدا أن حجم علاقته المالية بزوج أخته كان أكبر بكثير مما ذكره في بداية التحقيق.

كما ظهر أن والد أسماء كان قد بدأ، قبل مقتله بفترة، بمراجعة مجموعة من الأوراق والحسابات التي أثارت لديه شكوكًا حول طبيعة بعض التعاملات.

لم يكن واضحًا في البداية ما إذا كانت المسألة تتعلق بمخالفات مالية فقط، أم أن الأموال كانت جزءًا من نشاط أوسع.

لكن مراجعات لاحقة أشارت إلى وجود شبهات تتعلق بإخفاء مصادر أموال، واستخدام واجهات تجارية لتحريك مبالغ غير مفسرة، إضافة إلى ارتباط بعض الأشخاص الواردة أسماؤهم في تلك المعاملات بقضايا وأنشطة مشبوهة.

كما ظهرت أثناء التوسع في الملف مؤشرات تربط بعض تلك الدوائر بأشخاص لهم صلات بتجارة مواد مخدرة وأنشطة غير مشروعة.

لم يكن ناصر متهمًا في تلك المرحلة بأي من تلك الأنشطة بصورة مستقلة، لكن وجوده المتكرر داخل هذا المسار جعل الخلاف بينه وبين والد أسماء يبدو أخطر من مجرد نزاع شخصي أو مالي.

وتبين كذلك أن والد أسماء كان يعتزم مناقشة جزء من تلك المستندات في صباح اليوم التالي لمقتله.

هذه المعطيات لم تثبت الجريمة بحد ذاتها.

لكنها غيّرت السؤال الذي كان يلاحق القضية منذ سنوات:

لم يعد السؤال فقط من قتل الأسرة؟

بل أصبح أيضًا:

ما الذي كان والد أسماء على وشك كشفه؟

العثور على أسماء

ضمن مسار التحقيق اللاحق، جرى التوصل إلى منطقة نائية خارج النطاق العمراني.

وقد حُجبت بعض التفاصيل المتعلقة بالطريقة التي قادت المحققين إلى الموقع، احترامًا لخصوصية المادة التي استُلهمت منها الرواية، وعدم كشف بعض الأساليب والتفاصيل الإجرائية الواردة في كتابات محقق سابق.

عُثر في الموقع على رفات طفلة.

كان التقدير الأولي للعمر متوافقًا تقريبًا مع عمر أسماء عند اختفائها.

ثم جاءت نتائج الفحوص والمضاهاة لتؤكد الهوية.

الرفات تعود إلى:

أسماء.

وبذلك انتهى أحد أكبر ألغاز القضية.

أسماء لم تهرب.

ولم تختفِ بعد نقلها إلى مكان مجهول بعيد.

كانت قد توفيت خلال الفترة المرتبطة بالجريمة، ثم نُقل جثمانها إلى منطقة نائية ودُفن هناك.

مسار الاشتباه

بعد العثور على أسماء، تغيّرت قيمة كثير من المعلومات التي ظلت لسنوات تبدو منفصلة عن بعضها.

أُعيدت مراجعة إفادات ناصر القديمة، وعلاقته المالية بوالد أسماء، وتحركاته خلال الساعات المحيطة بالجريمة، والأماكن التي كان يستطيع الوصول إليها، ومدى معرفته بالموقع الذي عُثر فيه على الرفات.

كما جرى الربط بين أقواله وبين المستندات التي ظهرت لاحقًا، وبرزت فترات زمنية لم تتطابق روايته عنها بصورة كاملة مع ما تمكن المحققون من إثباته.

وزادت الشكوك بعد أن تبين أن جزءًا من المستندات التي كان والد أسماء يراجعها يرتبط بمعاملات مالية وأسماء أشخاص كانوا بدورهم موضع متابعة في ملفات أخرى.

ومع اتساع التحقيق، بدأت تتكشف شبكة من الأنشطة المشبوهة لم تكن قضية الأسرة سوى أول خيط قاد إليها.

بعضها ارتبط بتحويلات وأموال مجهولة المصدر.

وبعضها الآخر قاد إلى أشخاص ذوي صلات بتجارة مواد مخدرة وأنشطة غير مشروعة.

لم يكن كل ما ظهر جزءًا مباشرًا من جريمة قتل الأسرة، لكنه كشف أن الخلاف الذي سبق الجريمة كان يدور بالقرب من مساحة أخطر بكثير مما ظهر في التحقيق الأول.

وقد حُجبت بعض الأدلة التفصيلية وطريقة الربط بينها، إلا أن مجموع ما أمكن إثباته كان كافيًا لتضييق دائرة الاشتباه بصورة متدرجة حتى أصبحت حركة ناصر وأقواله ليلة الجريمة محور التحقيق.

ما حدث ليلة الجريمة

وفق ما ظهر لاحقًا من التحقيق وإفادة المتهم، لم يدخل ناصر المنزل وهو يحمل خطة مسبقة لقتل الأسرة.

ذهب لمواجهة زوج أخته بعد أن أدرك أن الأخير أصبح يمتلك أوراقًا قد تكشف جزءًا من تعاملات كان ناصر يخشى وصولها إلى جهات التحقيق.

بدأت المواجهة كلامية.

ثم تصاعدت سريعًا.

وخلال الشجار تلقى الزوج ضربة على الرأس فسقط.

دخلت زوجته، وهي شقيقة ناصر، وشاهدت ما حدث.

وفي لحظات مرتبكة تحول الموقف إلى اعتداء ثانٍ انتهى بوفاتها هي الأخرى.

كانت أسماء في الطابق العلوي.

سمعت الأصوات وبدأت بالنزول.

وصل إليها خالها قبل أن ترى ما حدث في الصالة.

وبحكم معرفتها به وثقتها فيه، خرجت معه دون مقاومة.

اختفاء أسماء

أخذ ناصر الطفلة إلى مكان خاص به بعيدًا عن المنزل.

أغلق عليها إحدى الغرف، وأخبرها أنه سيعود إليها في الصباح.

ثم رجع إلى منزل الأسرة.

لم يكن هدفه حينها تنظيف مسرح الجريمة بصورة كاملة بقدر ما كان يبحث عن الأوراق التي جاء من أجلها أساسًا.

جمع عددًا من المستندات، وأخفى ما استطاع العثور عليه، معتقدًا أنه أزال أكثر ما قد يربطه بالخلاف الذي سبق الجريمة.

لكنه لم يكن يعلم أن نسخًا ومعلومات أخرى ستظهر بعد سنوات.

في صباح اليوم التالي اكتُشفت الجريمة.

وصل ناصر إلى المنزل مع أفراد الأسرة، وعرف أن البحث عن أسماء قد بدأ.

وكان الوحيد بينهم الذي يعرف مكانها.

لكنه أخّر العودة إليها خوفًا من أن يؤدي اختفاؤه في تلك الساعات إلى إثارة الشبهة حوله.

وعندما عاد أخيرًا، وجدها متوفاة بعد محاولة للخروج من الغرفة عبر نافذة مرتفعة وسقوطها وإصابتها.

في تلك اللحظة كان لا يزال يستطيع الإبلاغ عما حدث.

لكنه اختار إخفاء الجريمة.

نقل جثمان أسماء إلى منطقة نائية ودفنها.

ثم عاد إلى حياته.

والأشد قسوة أنه شارك لاحقًا أفراد الأسرة والجهات المعنية في البحث عنها، وهو يعلم أن الطفلة التي يبحثون عنها لن تعود.

ما كشفته القضية لاحقًا

لم ينته التحقيق عند إثبات مسؤولية ناصر عن مقتل الأسرة واختفاء أسماء.

فالمستندات التي أعادت القضية إلى الواجهة قادت إلى ملفات أخرى.

وبعد فصل جريمة الأسرة عن التحقيقات المالية اللاحقة، ظهرت معاملات يُشتبه في استخدامها لإخفاء مصادر أموال وتحريكها عبر أنشطة تجارية لا تعكس حقيقتها المالية.

كما قادت بعض الأسماء الواردة في تلك المعاملات إلى أشخاص كانوا محل متابعة في قضايا أخرى، بينها أنشطة مرتبطة بتجارة مواد مخدرة وأنشطة غير مشروعة.

وبذلك أصبح واضحًا أن والد أسماء لم يكن يراجع مجرد خلاف مالي عائلي.

كان قد اقترب — دون أن يعرف حجم ما أمامه — من سلسلة تعاملات أوسع، وربما كان ما اكتشفه هو السبب الحقيقي الذي جعل المواجهة بينه وبين ناصر تصل إلى تلك الليلة.

ومع ذلك، لم يُثبت أن قتل الأسرة كان جزءًا من عملية منظمة أو جريمة مخطط لها مسبقًا.

ما أثبته التحقيق هو أن مواجهة بدأت بسبب الخوف من انكشاف تلك التعاملات، ثم خرجت عن السيطرة، وانتهت بثلاث وفيات ومحاولة امتدت سنوات لدفن الحقيقة معها.

النتيجة

لم تعتمد القضية على اعتراف منفرد.

تمت مقارنة أقوال ناصر بما جُمع من:

مستندات، إفادات، تحركات، مواقع، تناقضات، نتائج فنية ومعلومات لم تكن معلنة.

وأصبحت أجزاء من روايته قابلة للتحقق من خلال تفاصيل لم يكن من الممكن تفسير معرفته بها لولا ارتباطه المباشر بما حدث.

وفي النهاية أُحيلت القضية إلى القضاء.

أما التحقيقات المتعلقة بالمعاملات والأنشطة المشبوهة التي ظهرت على هامش القضية، فقد سارت في مسار منفصل بعد أن قادت إلى أطراف وملفات لم تكن معروفة عند فتح قضية الأسرة للمرة الأولى.

ملاحظة حول هذه الرواية

هذه الصفحة ليست صورة من محضر رسمي، ولا وثيقة قضائية منشورة، ولا توثيقًا لقضية حقيقية بعينها.

الرواية عمل جنائي تخييلي استُلهمت بعض ملامحه من كتابات وتحقيقات غير منشورة لمحقق سابق، ثم أُعيد بناء أحداثه وشخصياته ودوافعه وظروفه بصورة أدبية.

وقد جرى تغيير أو ابتكار عدد من التفاصيل المتعلقة بالأشخاص، والأماكن، والجرائم المالية، والأنشطة المشبوهة ومسارات التحقيق بما يخدم البناء الروائي ويحافظ على خصوصية المصادر التي ألهمت بعض أجزاء العمل.

أما ما يهم في هذه الرواية فهو أن الحقيقة لم تُثبت بحلم أو ظاهرة خارقة.

كل ما دخل الملف الرسمي كان:

دليلًا يمكن فحصه. وشهادة يمكن مراجعتها. وقولًا يمكن مقارنته بالحقيقة.

11
انتهت الحكاية… وبقي الملف.

ملف القضية

الوثائق والصور التالية عناصر روائية صُممت لخدمة أحداث العمل، وليست وثائق حكومية أو قضائية أصلية ولا تمثل أي جهة رسمية.

غلاف ملف القضية
مستند غير رسمي — لا يمثل أي جهة حكومية

الخاتمة

أحيانًا لا تبدأ المأساة من قرار كبير.

تبدأ من لحظة غضب واحدة.

لحظة يظن الإنسان أنه سيتجاوزها، ثم يكتشف أن ما فعله فيها غيّر ما بعدها كله.

ولهذا كانت وصية النبي ﷺ جامعة وقصيرة:

((لا تغضب))

ليس لأن الغضب لا يقع، بل لأن الإنسان في شدته قد يرى ما لا يستحق أن يُفعل، ويقول ما لا يمكن سحبه، ويخطو خطوة يعجز عن الرجوع منها.

وفي قصة روح طفلة، لم تكن الكارثة في الغضب وحده...

بل في كل قرار جاء بعده لحماية الخطأ بدل الاعتراف به.

ولعل النجاة أحيانًا تبدأ بشيء بسيط:

أن تصمت حين تشتد نفسك، أن تبتعد قبل أن تؤذي، وأن تستعيذ بالله حتى يعود إليك عقلك.

فليس القوي من يغلب غيره عند الغضب؛ إنما القوة الحقيقية أن يملك الإنسان نفسه قبل أن يملك الغضب قراره.

تمّت، والحمد لله.

ما كانت هذه الرواية حكاية جريمة بقدر ما كانت تذكيرًا بأن لحظة غضب واحدة قد تفتح أبوابًا من الندم لا تُغلق، وأن الخطأ حين يُتبع بخطأ آخر قد يكبر حتى يبتلع أعمارًا كاملة.

أرجو أن يبقى من «روح طفلة» بعد نهايتها شيء يتجاوز أحداثها؛ عظة، وعبرة، وتذكير بأن الإنسان قد ينجو من كثير من الأشياء، لكنه لا ينجو دائمًا من أثر قراراته. أسأل الله أن يبقى من هذه الحكاية أثرٌ ينفع، وعبرةٌ تُفهم قبل أن تُعاش.

وإن كان في هذه الرواية خير، فمن الله، وإن كان فيها نقص فمنّي.

محمد الشبري